هناك زيارات دبلوماسية تنتهي بمجرد مغادرة الطائرة أرض المطار، وهناك زيارات تبدأ بعد انتهائها. زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان تنتمي بلا شك إلى النوع الثاني؛ فهي لم تكن مجرد جولة بروتوكولية بين دولتين تعيدان ترميم علاقاتهما، بل كانت إعلانًا سياسيًا عن ولادة مقاربة سورية جديدة تجاه لبنان، تختلف جذريًا عن تلك التي حكمت العلاقة بين البلدين لعقود.
من يكتفي بقراءة بيانات وزارة الخارجية سيعتقد أن الزيارة كانت تقليدية. لكن السياسة لا تُقرأ من البيانات، بل من الخرائط التي يرسمها أصحاب القرار، ومن الأشخاص الذين تُفتح لهم الأبواب، والأهم من ذلك، من الأبواب التي تُترك مغلقة.
قبل أشهر، أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا واسعًا عندما تحدث عن دور يمكن أن تؤديه القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع في ملف حزب الله. يومها، اندفع كثيرون إلى تفسير كلامه على أنه تمهيد لتدخل عسكري سوري في لبنان أو لصدام مباشر مع الحزب.
لكن ذلك التفسير أغفل حقيقة بسيطة؛ فلا واشنطن تبحث عن حرب جديدة في لبنان، ولا دمشق الجديدة تبدو مستعدة للدخول في مواجهة عسكرية ستعيد إنتاج كوارث الماضي.
ولو كان الخيار عسكريًا، لما احتاجت الولايات المتحدة إلى وسيط أو شريك، ولتركت إسرائيل تواصل ما تقوم به. لذلك، كان واضحًا أن الحديث يدور عن دور سياسي واستراتيجي، لا عن دبابات تعبر الحدود.
وجاءت زيارة الشيباني لتقدم أول ترجمة عملية لهذه الرؤية.
الرسالة لم تكن فيمن التقاهم... بل فيمن تجاهلهم
التقى الشيباني رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، وهذا أمر تفرضه الأعراف الدبلوماسية. لكن الخبر الحقيقي لم يكن في هذه اللقاءات، بل خارجها.
للمرة الأولى منذ عقود، يزور مسؤول سوري بهذا المستوى لبنان من دون أن يجعل من حزب الله محطته الأساسية، ومن دون أن يلتقي التيار الوطني الحر أو الشخصيات والقوى التي شكّلت لعشرات السنين الامتداد السياسي لدمشق في لبنان خلال عهد الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
قد يقول البعض إن لكل زيارة برنامجًا خاصًا، وهذا صحيح. لكن في السياسة، لا وجود للصدف. فاللقاءات تُختار كما تُختار الكلمات، والغياب قد يكون أبلغ من الحضور.
وهنا تبدأ ملامح السياسة السورية الجديدة بالظهور؛ فدمشق لم تعد تتحرك داخل لبنان عبر الشبكة نفسها التي بنتها طوال عقود، بل تبدو وكأنها تعيد رسم خريطتها السياسية من الصفر.
معراب... المحطة التي هزّت ذاكرة السياسة اللبنانية
إذا كانت هناك محطة تختصر حجم التحول، فهي زيارة الشيباني إلى معراب ولقاؤه برئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع.
هذه الزيارة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، ولا مجرد لقاء مع زعيم سياسي لبناني.
فمعراب، في الذاكرة السياسية السورية، كانت لعقود عنوانًا للمواجهة مع النظام السوري. والقوات اللبنانية كانت من أبرز القوى التي طالبت بإنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، وصولًا إلى انسحاب الجيش السوري عام 2005.
لذلك، فإن وصول وزير خارجية سوريا الجديدة إلى معراب يحمل دلالة تتجاوز حدود المصافحة والصور التذكارية.
إنه إعلان ضمني بأن دمشق الجديدة لا تنظر إلى خصوم الأمس باعتبارهم خصوم اليوم، وأن معيار العلاقة لم يعد الموقف من نظام الأسد، بل الموقف من الدولة السورية الجديدة ومن مشروعها السياسي.
إنها ليست مصالحة مع جعجع بقدر ما هي قطيعة سياسية مع مرحلة كاملة.
طرابلس... عندما تتحول الجغرافيا إلى رسالة
ولم تكن محطة طرابلس أقل أهمية.
فطرابلس ليست مجرد مدينة شمالية، بل مدينة ارتبط اسمها، طوال سنوات الحرب السورية، بدعم المعارضة السورية ورفض نظام الأسد، حتى أصبحت في نظر كثيرين الامتداد الطبيعي للثورة السورية داخل لبنان.
حين اختار الشيباني أن يذهب إلى طرابلس، لم يكن يزور مدينة، بل كان يرد الاعتبار إلى بيئة سياسية طالما اعتبرها النظام السابق خصمًا.
وهذا بحد ذاته إعلان عن انتقال سوريا من مرحلة معاقبة خصومها في لبنان إلى مرحلة بناء علاقات مع القوى التي خاصمت نظام الأسد.
حتى الصور كانت تتحدث
اللافت أيضًا أن لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري بدا مختلفًا عن سائر اللقاءات.
كان لقاءً بروتوكوليًا مقتضبًا، بينما بدت اللقاءات الأخرى أكثر انفتاحًا واتساعًا.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها في عالم الدبلوماسية ليست كذلك.
فالسياسة تُكتب أحيانًا بطريقة توزيع المقاعد، وبزوايا الصور، وبعدد دقائق الاجتماع، قبل أن تُكتب في البيانات الرسمية.
هل تغيّرت سوريا... أم تغيّر حلفاؤها؟
السؤال الذي تفرضه الزيارة ليس ما إذا كانت سوريا تريد مواجهة حزب الله، بل ما إذا كانت غيّرت الطريقة التي تتعامل بها مع لبنان.
فالرسائل التي خرجت من بيروت لم تتحدث عن حرب، بل عن دعم الدولة اللبنانية، واحترام قراراتها، والتعاون في ضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح، والتنسيق الأمني.
وهذا تحول نوعي.
فسوريا التي كانت، لعقود، تُتهم بأنها تتعامل مع الدولة اللبنانية عبر حلفائها، تحاول اليوم أن تقدم نفسها بوصفها شريكًا للدولة نفسها، لا لأي طرف على حساب آخر.
وهنا يلتقي هذا المسار مع الضغوط الدولية الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة اللبنانية في الملفات الأمنية، وفي مقدمتها ملف السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تفاهم معلن بين دمشق وواشنطن أو بين دمشق وبيروت، لكنه يشير إلى تقاطع في المصالح السياسية، يقوم على دعم استقرار لبنان من خلال مؤسساته الرسمية، لا من خلال موازين القوى التقليدية.
لبنان أمام معادلة جديدة
الخطأ الأكبر هو اختزال زيارة الشيباني في إطار العلاقات الثنائية بين بلدين.
فالزيارة كانت، في جوهرها، إعلانًا عن سقوط خريطة سياسية عمرها عقود، وعن محاولة دمشق إعادة تموضعها داخل لبنان بأدوات مختلفة، وخطاب مختلف، وتحالفات مختلفة.
قد يختلف اللبنانيون في تقييم هذه المقاربة، وقد ينقسم السوريون أنفسهم حولها، لكن تجاهل دلالاتها سيكون خطأ سياسيًا كبيرًا.
لأن ما حدث في بيروت لم يكن مجرد زيارة وزير خارجية.
كان أول اختبار عملي لكيفية رؤية سوريا الجديدة للبنان.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا بعد انتهاء الزيارة ليس: ماذا قال أسعد الشيباني؟
بل: أي لبنان تريد دمشق الجديدة أن تبني علاقتها معه؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد شكل العلاقة بين البلدين في السنوات المقبلة، وربما يعيد رسم جزء مهم من توازنات المشرق بأكمله.
