في السياسة، لا تُقاس أهمية التصريحات بما تقوله حرفياً، بل بما تكشفه من تحولات في التفكير الاستراتيجي. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإسناد ملف حزب الله إلى سوريا أكثر من مجرد اقتراح عابر أو تصريح ارتجالي. إنها تعكس، على الأرجح، بحثاً أميركياً عن مقاربة جديدة للتعامل مع واحدة من أكثر العقد تعقيداً في الشرق الأوسط.
فعندما يقترح رئيس الولايات المتحدة على إسرائيل أن تترك دمشق تتولى ملف حزب الله، فهو لا يتحدث فقط عن ترتيبات أمنية تخص لبنان، بل يبعث برسالة أوسع مفادها أن واشنطن بدأت تنظر إلى المنطقة من منظور مختلف عمّا كان سائداً خلال السنوات الماضية.
اعتراف ضمني بفشل الخيار العسكري
منذ سنوات طويلة، تعتمد إسرائيل استراتيجية تقوم على الضربات العسكرية والاغتيالات والضغط الأمني لاحتواء حزب الله وتقليص قدراته. لكن نتائج هذه السياسة بقيت محدودة. فالحزب لم يختفِ، ولم يتراجع دوره السياسي، ولم تنجح العمليات العسكرية في إنهاء حضوره داخل المعادلة اللبنانية.
لذلك فإن حديث ترامب عن إمكانية أن تقوم سوريا بما عجزت عنه إسرائيل يحمل في طياته اعترافاً غير مباشر بأن المقاربة العسكرية وحدها لم تحقق الأهداف المطلوبة.
الأكثر دلالة أن ترامب نفسه انتقد علناً أسلوب إسرائيل في لبنان، معتبراً أن تدمير الأبنية السكنية ومقتل أعداد كبيرة من المدنيين لا يمكن أن يشكلا حلاً مستداماً.
وهذا الموقف يكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين الرؤية الأميركية التي تبحث عن احتواء الصراع، والرؤية الإسرائيلية التي ما زالت تراهن على استمراره لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
ترامب ينتقد إسرائيل ويقترح أن تتولى سوريا ملف حزب الله وسط تحولات إقليمية
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
سوريا الجديدة في الحسابات الأميركية
الأهم من تصريح ترامب يتعلق بموقع سوريا نفسها.
فواشنطن التي أمضت سنوات في عزل دمشق ومحاصرتها سياسياً واقتصادياً، تبدو اليوم مستعدة للتعامل معها بوصفها جزءاً من الحلول الإقليمية لا مجرد جزء من المشكلات.
هذا التحول لا يعني بالضرورة إعادة تأهيل كاملة للنظام السوري أو فتح صفحة جديدة بشكل نهائي، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي ترتيب أمني طويل الأمد في المشرق العربي لا يمكن أن يتجاوز سوريا.
المفارقة أن دمشق التي كانت تُتهم لعقود بأنها إحدى قنوات دعم حزب الله، يجري طرحها اليوم كجهة يمكن أن تسهم في ضبط الحزب أو التأثير عليه. وهذه المفارقة وحدها تكشف حجم التحولات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب السورية وحتى اليوم.
الرسالة الحقيقية موجهة إلى إيران
قد يكون الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن كلام ترامب يستهدف حزب الله مباشرة.
في الواقع، يبدو أن الرسالة الأساسية موجهة إلى طهران.
فالولايات المتحدة تدرك أن حزب الله يمثل أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وعندما تطرح واشنطن دوراً سورياً في هذا الملف، فإنها تختبر عملياً إمكانية إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وطهران ضمن توازنات جديدة.
بمعنى آخر، السؤال الأميركي ليس كيف يتم التعامل مع حزب الله فقط، بل كيف يمكن تقليص هامش التأثير الإيراني دون الذهاب إلى مواجهة شاملة مع إيران نفسها.
ومن هنا يمكن فهم توقيت التصريحات بالتزامن مع التفاهمات الأميركية الإيرانية ومحاولات خفض التوتر الإقليمي.
لماذا يبدو الطرح غير واقعي؟
رغم الجاذبية السياسية للفكرة، فإن تطبيقها على الأرض يبدو بالغ الصعوبة.
فسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب تواجه تحديات اقتصادية وأمنية هائلة. كما أن أي محاولة للانخراط المباشر في ملف حزب الله قد تفتح على دمشق جبهات جديدة مع قوى إقليمية متعددة، وتعيد خلط الأوراق على الحدود السورية العراقية واللبنانية.
إضافة إلى ذلك، لا يوجد ما يشير إلى أن إيران مستعدة للتخلي عن أحد أهم أوراقها الاستراتيجية في المنطقة، ولا ما يؤكد أن حزب الله نفسه سيقبل بأي وصاية سياسية أو أمنية جديدة مهما كانت طبيعة العلاقة مع دمشق.
أما إسرائيل، التي تطالب علناً بنزع سلاح الحزب، فمن الصعب أن تقتنع بأن نقل الملف إلى سوريا يمكن أن يحقق أهدافها الأمنية بصورة أفضل.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
إسرائيل تدرس تقليص عملياتها جنوب لبنان وسط خلاف مع واشنطن حول الانسحاب
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ما الذي تريده واشنطن فعلاً؟
الأرجح أن واشنطن لا تبحث حالياً عن تسليم فعلي للملف إلى دمشق، بقدر ما تبحث عن مخرج من حالة الاستنزاف المستمرة على الجبهة اللبنانية.
فالإدارة الأميركية تدرك أن استمرار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله يهدد أي مسار تفاوضي أوسع في المنطقة، سواء مع إيران أو مع الأطراف العربية الأخرى.
لهذا يبدو اقتراح ترامب أقرب إلى رسالة سياسية هدفها دفع الجميع نحو التهدئة، وإقناع إسرائيل بأن الحلول العسكرية وصلت إلى حدودها القصوى، وأن الوقت قد حان للبحث عن ترتيبات سياسية وأمنية مختلفة.
الخلاصة
بعيداً عن إمكانية تنفيذ الاقتراح من عدمها، فإن أهمية تصريح ترامب تكمن في ما يكشفه من تحول أعمق داخل التفكير الأميركي. فواشنطن لم تعد تتحدث فقط عن كيفية مواجهة حزب الله، بل عن كيفية إدارة التوازنات التي أنتجت وجوده ونفوذه.
ومن هنا، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت سوريا قادرة على تولي ملف حزب الله، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة بدأت فعلاً الانتقال من مرحلة إدارة الحروب في الشرق الأوسط إلى مرحلة إدارة النفوذ.
فإذا صحّ هذا التقدير، فإن تصريح ترامب لن يكون مجرد خبر عابر، بل مؤشراً مبكراً على إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة بأكملها.
