تواجه شركة ميتا مرحلة مفصلية تجمع بين المواجهات القانونية والضغوط التنظيمية وإعادة هيكلة أعمالها، في وقت تواصل فيه ضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
وبين ملاحقة شركة التجسس الإسرائيلية NSO قضائياً، والاعتراض على خطط أستراليا لدعم المؤسسات الإعلامية، وتسريح آلاف الموظفين، تكشف تحركات الشركة عن استراتيجية تركز على إعادة توجيه الموارد نحو سباق الذكاء الاصطناعي المتسارع.
ملاحقة قضائية جديدة ضد NSO
أعلنت ميتا أنها تستعد لطلب إصدار أمر ازدراء من محكمة اتحادية أمريكية ضد شركة NSO Group الإسرائيلية، متهمة إياها بانتهاك أمر قضائي دائم يمنعها من استهداف تطبيق واتساب ومستخدميه.
وقالت الشركة إن واتساب تمكن من إحباط محاولات تصيد إلكتروني جديدة مرتبطة بـ NSO، استخدمت أساليب مشابهة لهجمات "النقرة الواحدة"، وهي هجمات تتيح اختراق الأجهزة أو الحسابات بمجرد الضغط على رابط أو مرفق خبيث.
وأكدت ميتا أنها أزالت الحسابات والمجموعات التجريبية التي أنشأتها NSO على المنصة، مشيرة إلى أن الشركة الإسرائيلية مدرجة على القائمة السوداء الأمريكية بسبب أنشطة اعتُبرت مخالفة لمصالح الأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وتأتي هذه الخطوة بعد حكم قضائي أمريكي سابق ألزم NSO بالتوقف عن استهداف واتساب، في قضية شكلت ضربة كبيرة للشركة المطورة لبرنامج التجسس "بيغاسوس"، الذي واجه انتقادات واسعة بسبب اتهامات باستخدامه في مراقبة صحفيين ونشطاء ومسؤولين حول العالم.
مواجهة مع الحكومة الأسترالية
بالتوازي مع معركتها القضائية، فتحت ميتا جبهة جديدة مع الحكومة الأسترالية بعد انتقادها الحاد لمقترحات تشريعية تهدف إلى إلزام المنصات الرقمية بدعم المؤسسات الإعلامية مالياً.
ووصفت الشركة الخطة بأنها "غير عادلة بشكل صارخ" و"سيئة التصميم"، معتبرة أنها تحمي المؤسسات الإعلامية من الضغوط التنافسية وتؤجل الحاجة إلى تطوير نماذج أعمال أكثر استدامة.
وتقضي الخطة بفرض ضريبة تبلغ 2.25% على إيرادات منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث داخل أستراليا في حال عدم إبرام اتفاقات مالية مع المؤسسات الإخبارية المحلية، مع إمكانية خفض النسبة فعلياً إلى 1.5% للشركات التي تلتزم بإبرام تلك الاتفاقات.
وتستهدف الإجراءات شركات كبرى مثل ميتا وغوغل وبايت دانس المالكة لتطبيق تيك توك، فيما لن تشمل شركات الذكاء الاصطناعي مثل أوبن إيه آي المطورة لـ ChatGPT.
وترى ميتا أن المقترحات تتعارض مع التزامات أستراليا ضمن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، محذرة من أن فرض رسوم على شركات أجنبية لن يكون حلاً مستداماً لأزمة قطاع الإعلام.
الذكاء الاصطناعي يدفع نحو إعادة الهيكلة
في الوقت نفسه، أعلنت ميتا أيضا" عن خطط لتسريح نحو 8000 موظف، أي ما يعادل 10% تقريباً من قوتها العاملة، إلى جانب إبقاء نحو 6000 وظيفة شاغرة دون شغل.
وأوضحت الشركة أن الخطوة تأتي ضمن جهود رفع الكفاءة التشغيلية وتوفير موارد إضافية للاستثمار في مجالات النمو الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.
وتتوقع ميتا أن ترتفع نفقاتها خلال عام 2026 إلى ما بين 162 و169 مليار دولار، مدفوعة بتكاليف البنية التحتية والتوسع في توظيف خبراء الذكاء الاصطناعي ذوي الرواتب المرتفعة.
كما أعلنت الشركة بدء العمل على مركز بيانات جديد مخصص لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما باستثمارات تبلغ مليار دولار، ليصبح المركز الثامن والعشرين ضمن شبكتها الأمريكية.
مايكروسوفت تسلك مساراً مختلفاً
في المقابل، اختارت مايكروسوفت نهجاً أقل حدة من عمليات التسريح المباشر، معلنة برنامجاً للشراء الطوعي والتقاعد المبكر يشمل نحو 8750 موظفاً في الولايات المتحدة، أي ما يقارب 7% من قوتها العاملة الأمريكية.
وتأتي الخطوة في وقت تواصل فيه الشركة استثمار مليارات الدولارات في مراكز البيانات العالمية التي تدعم خدمات الحوسبة السحابية ومنصات الذكاء الاصطناعي وأدوات الإنتاجية، بما في ذلك مساعد Copilot.
سباق الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل القطاع
تكشف التطورات الأخيرة أن شركات التكنولوجيا الكبرى باتت تعيد ترتيب أولوياتها بشكل متسارع تحت ضغط المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. فبينما تخوض ميتا معارك قانونية وتنظيمية على أكثر من جبهة، فإنها في الوقت نفسه تقلص بعض النفقات التشغيلية وتوجه الموارد نحو البنية التحتية والكوادر المتخصصة القادرة على تعزيز موقعها في هذا السباق.
ويعكس ذلك تحولاً أوسع داخل قطاع التكنولوجيا، حيث أصبحت الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي عاملاً رئيسياً في قرارات التوظيف والإنفاق وإعادة هيكلة الشركات.
الخلاصة
تتحرك ميتا على عدة مسارات متوازية؛ من ملاحقة NSO قضائياً، إلى مواجهة التشريعات الأسترالية الخاصة بتمويل الإعلام، وصولاً إلى خفض الوظائف وزيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. وبين هذه الملفات المختلفة، يبدو أن الشركة تضع تعزيز قدراتها التقنية في صدارة أولوياتها خلال المرحلة المقبلة.
