حزب الله تحت الضغط المالي.. هل يتراجع نفوذ إيران في لبنان؟

 لم تعد المعركة حول حزب الله  محصورة في الصواريخ والسلاح والحدود. هناك معركة أخرى أقل ظهورًا، لكنها ربما تكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل: المال.

أزمة تمويل حزب الله.. هل بدأ النفوذ الإيراني بالتراجع؟

فبحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز استنادًا إلى وثائق ومقابلات مع مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين وأشخاص مقربين من الحزب، يواجه حزب الله واحدة من أشد أزماته المالية منذ سنوات، في وقت تتعرض فيه قنوات التمويل المرتبطة بإيران لضغوط متزايدة.

وهنا يبرز السؤال الأهم:

إذا كان المال هو أحد الأعمدة التي أبقت منظومة النفوذ قائمة لعقود، فماذا يحدث عندما تبدأ هذه القنوات بالانقطاع واحدة تلو الأخرى؟

المسألة لا تتعلق فقط بقدرة حزب الله على دفع الرواتب أو تمويل عملياته، بل تمس النموذج الذي بناه الحزب في لبنان، والذي جمع بين السلاح والسياسة والخدمات الاجتماعية وشبكات التمويل.

فهل نحن أمام أزمة مؤقتة يمكن تجاوزها؟ أم أمام بداية تغير أعمق في ميزان القوى؟


من "أخطبوط النفوذ" إلى أزمة التمويل

منذ الثورة الإيرانية عام 1979، عملت طهران على بناء شبكة نفوذ إقليمية تعتمد، بدرجات مختلفة، على حلفاء وجماعات مسلحة في عدد من دول المنطقة.

وكان حزب الله في لبنان أحد أبرز نماذج هذا المشروع.

تأسس الحزب عام 1982، ومع مرور السنوات لم يعد مجرد تنظيم مسلح، بل أصبح يمتلك شبكة واسعة من المؤسسات والخدمات والأنشطة الاقتصادية والإعلامية والاجتماعية، إلى جانب ترسانة عسكرية كبيرة.

وبهذا المعنى، لم يكن النفوذ الإيراني قائمًا فقط على السلاح.

كان هناك أيضًا نظام مالي واجتماعي قادر على إبقاء هذه المنظومة متماسكة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الأزمة الحالية.

لأن السؤال ليس: هل يمتلك الحزب السلاح؟

بل:

هل يستطيع الحفاظ على المنظومة التي تجعل هذا السلاح جزءًا من نفوذ سياسي واجتماعي واسع؟


نحو 700 مليون دولار سنويًا من إيران

بحسب تقديرات سابقة لوزارة الخارجية الأميركية، كانت إيران تقدم لحزب الله نحو 700 مليون دولار سنويًا، وهو مبلغ يشكل الجزء الأكبر من ميزانية الحزب التي قُدرت بنحو مليار دولار سنويًا قبل الحرب.

وتشير المعلومات الواردة في التقارير إلى أن طهران زادت دعمها المالي للحزب خلال العام الماضي.

لكن المشكلة، بحسب مسؤولين تحدثوا إلى نيويورك تايمز، أن هذه الأموال لم تعد كافية لتغطية النفقات المتزايدة المرتبطة بالحرب والنزوح وإعادة بناء القدرات.

وهنا تظهر مفارقة لافتة.

يمكن زيادة التمويل، لكن ماذا لو ارتفعت تكلفة الحفاظ على النفوذ بسرعة أكبر من قدرة الممول على تغطيته؟

هذه النقطة قد تكون جوهر الأزمة.

فالحزب لا يحتاج فقط إلى تمويل النشاط العسكري، بل إلى الحفاظ على شبكة اجتماعية واسعة، ودفع الرواتب، ومساعدة العائلات، وتمويل المؤسسات والخدمات، والتعامل مع آثار الحرب.

وعندما تتعرض كل هذه البنود للضغط في الوقت نفسه، تصبح الأولويات أكثر صعوبة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
لماذا اختفى اسم الحرس الثوري من البيانات الإيرانية؟ وهل تغيّر شيء في طهران؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


الحرب لم تستهدف السلاح فقط

بحسب التقارير الواردة، ركزت إسرائيل خلال حربها الأخيرة مع حزب الله على البنية المالية إلى جانب البنية العسكرية.

واستهدفت الغارات أكثر من 12 فرعًا لمؤسسة القرض الحسن، التي تتهمها الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها تشكل جزءًا أساسيًا من البنية المالية للحزب.

كما استهدفت شركات صرافة يُعتقد أنها استخدمت لتحويل الأموال الإيرانية إلى الحزب، إلى جانب محطات وقود توفر إيرادات.

وهنا يتغير شكل الحرب.

فعندما تستهدف العمليات العسكرية مستودع أسلحة أو مركز قيادة، تكون النتيجة قابلة للقياس نسبيًا.

لكن ماذا يحدث عندما تستهدف شبكة مالية كاملة؟

قد لا يظهر التأثير في اليوم التالي، لكنه يمكن أن يتراكم مع الوقت.

وهذا ما يجعل الضغط المالي مختلفًا عن الضربة العسكرية التقليدية.


القرض الحسن.. عقدة في قلب الأزمة

تحتل مؤسسة القرض الحسن موقعًا حساسًا في هذه المعادلة.

فبحسب التقارير، استخدم الحزب المؤسسة ضمن منظومته المالية، فيما تصف الجمعية نفسها بأنها جمعية إقراض خيرية وليست بنكًا.

ويعتمد مئات الآلاف من اللبنانيين، بينهم كثير من مؤيدي حزب الله، على خدماتها للحصول على قروض دون فوائد وتعويضات مرتبطة بالحرب.

لكن السلطات اللبنانية منعت خلال العام الماضي البنوك وشركات الوساطة من التعامل معها، ما زاد من عزلتها عن النظام المالي الرسمي.

وفي فبراير/شباط، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن مسؤولين كبارًا في المؤسسة أنشأوا سلسلة من شركات تجارة الذهب لجمع الأموال.

كما أشارت سجلات وتحليلات مالية أوردتها نيويورك تايمز إلى ارتفاع مبيعات الذهب خلال العام الماضي.

وبحسب مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، دمرت الغارات جزءًا كبيرًا من احتياطيات الحزب من العملات الأجنبية والذهب، ما دفعه إلى تحويل جزء من الذهب إلى سيولة.

لكن إذا أصبح الذهب نفسه مصدرًا للسيولة، فهل يعني ذلك أن الحزب بدأ يستهلك احتياطياته بدلًا من الاعتماد على تدفقات مالية مستقرة؟

السؤال هنا أهم من الرقم نفسه.


سقوط الأسد.. ضربة أخرى لشبكة التمويل

هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله: سوريا.

لعقود، شكلت الأراضي السورية ممرًا بالغ الأهمية في العلاقة بين إيران وحزب الله، خصوصًا على صعيد نقل الأموال والأسلحة.

لكن السقوط المفاجئ لنظام بشار الأسد أدى إلى انقطاع الطريق البري السوري فعليًا، وفق المعلومات الواردة في التقارير.

وهذا وضع حزب الله في مواجهة مشكلة استراتيجية.

فقد خسر أحد أهم الممرات التي تربطه بطهران في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى المال لإعادة بناء قدراته.

لكن هل يعني إغلاق طريق واحد انتهاء التمويل؟

ليس بالضرورة.

بل يبدو أن طهران وحزب الله سعيا إلى البحث عن طرق بديلة.

وهنا دخل مطار بيروت في قلب القصة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
بعد كل هذه الحرب... هل حققت الولايات المتحدة هدفًا واحدًا في إيران؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


من الطريق السوري إلى مطار بيروت

بحسب مسؤولين أميركيين ولبنانيين نقلت عنهم نيويورك تايمز، استخدمت رحلات مدنية متجهة إلى بيروت في نقل حقائب تحتوي على دولارات أميركية إلى حزب الله، وفي بعض الحالات تولى دبلوماسيون إيرانيون نقل الأموال.

وأدى تحذير إسرائيلي إلى دفع لبنان لتعليق الرحلات القادمة من إيران، وهو إجراء لا يزال قائمًا وفق التقرير.

كما أُبعد موظفون في المطار مرتبطون بالحزب، واستُبدلوا بعناصر أمنية تعمل بالتنسيق مع مسؤولين أميركيين.

وهذه ليست مجرد مسألة أمنية.

إنها تعكس تحولًا سياسيًا داخل لبنان.

فإذا كان مطار الدولة، والنظام المالي، وشركات التحويل، ومكاتب الصرافة، تشكل حلقات في عملية وصول الأموال، فإن السيطرة على هذه الحلقات تعني عمليًا إعادة رسم حدود نفوذ الحزب داخل مؤسسات الدولة.


واشنطن تنتقل إلى قلب النظام المالي اللبناني

لم يتوقف الضغط عند المطار.

بحسب التقرير، ضغطت واشنطن على مصرف لبنان لتشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي، الذي تعتبر وزارة الخزانة الأميركية أن حزب الله استفاد منه في غسل الأموال وتحويل الأموال القادمة من إيران.

ومع تولي المحافظ كريم سويد منصبه، بدأت إجراءات أكثر تشددًا، بحسب مسؤولين ووثائق نقلتها الصحيفة.

وشملت الإجراءات التحقيق في شركات تحويل أموال كبرى، وتشديد الرقابة على عمليات التحويل، إلى جانب إبعاد مسؤولين في البنك المركزي يُشتبه في صلتهم بالحزب، وفق المعلومات الواردة في التقرير.

لكن حزب الله نفى هذه الاتهامات، ووصف المكتب الإعلامي للحزب التقارير المتعلقة باستغلال الاقتصاد النقدي بأنها كاذبة ولا أساس لها من الصحة.

وهنا تظهر معركة أخرى:

هل يمكن خنق منظومة مالية تعمل في اقتصاد يعتمد أصلًا بدرجة كبيرة على النقد؟

أم أن طبيعة الاقتصاد اللبناني نفسها ستوفر دائمًا مساحات للمناورة؟


الصرافة.. الحلقة التي يصعب إغلاقها

مع زيادة التدقيق في شركات تحويل الأموال الكبرى، تشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن حزب الله اعتمد بدرجة أكبر على شبكة أقل تنظيمًا من مكاتب الصرافة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

لأن السيطرة على مؤسسة مالية رسمية أسهل بكثير من السيطرة على شبكة نقدية واسعة تعمل خارج النظام المصرفي التقليدي.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على صرافين لبنانيين.

وقال حسن مقلد، الذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات ووصفته بأنه مستشار مالي رئيسي لحزب الله، إن الضغط الدولي جعل تحويل الأموال أكثر صعوبة، لكنه أشار إلى قدرة الحزب على التكيف.

وهنا يصبح السؤال:

هل تستطيع العقوبات إيقاف التمويل، أم أنها فقط تجعل الطريق أطول وأكثر تكلفة وأكثر سرية؟

الجواب قد يكون العامل الذي يحدد شكل المرحلة المقبلة.


عندما تصل الأزمة إلى الخدمات الاجتماعية

الجانب الأكثر حساسية في الأزمة ربما لا يتعلق بالمقاتلين، بل بالقاعدة الاجتماعية.

فحزب الله بنى على مدى عقود منظومة خدمات واسعة شملت الغذاء والمأوى والرواتب والمدارس والمستشفيات والمساعدات والتعويضات.

هذه الخدمات لم تكن هامشية.

لقد شكلت جزءًا أساسيًا من علاقة الحزب بقاعدته الشعبية.

لكن التقارير تشير إلى أن الحزب بدأ في تقليص بعض الخدمات الاجتماعية مع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

وفي مايو/أيار، قال مسؤول العلاقات الإعلامية في الحزب يوسف الزين إن الحزب أوقف دفع بعض التعويضات التي كان قد وعد بها أنصاره، بسبب حجم المتطلبات المرتبطة بالحرب ونزوح مئات الآلاف.

وفي الوقت نفسه، لا تزال رواتب عشرات الآلاف من المقاتلين تُدفع في الغالب، وفق مسؤولين ومستفيدين تحدثوا إلى الصحيفة.

وهذه المفارقة تكشف المشكلة بوضوح:

عندما تضطر منظمة إلى الاختيار بين السلاح والخدمات الاجتماعية، أيهما ستعطي الأولوية؟

وإذا اختارت السلاح، فماذا يحدث لعلاقتها بالبيئة التي بنت نفوذها داخلها؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
من يحكم مضيق هرمز اليوم: القانون الدولي... أم طهران؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


من "دولة داخل الدولة" إلى اختبار البقاء

على مدى سنوات، تمكن حزب الله من بناء ما وصفته التقارير بأنه نموذج "دولة داخل الدولة".

كان لديه مؤسسات إعلامية، وخدمات صحية وتعليمية، وشبكات مالية، ومصادر دخل، إضافة إلى قوة عسكرية تفوق في جوانب عديدة قدرات الجيش اللبناني.

لكن هذا النموذج يحتاج إلى شيء أساسي:

تمويل مستمر.

وكلما اتسعت المؤسسات، ارتفعت تكلفة الحفاظ عليها.

وكلما ارتفعت تكلفة الحرب، زاد الضغط على الموارد.

وكلما أغلقت قنوات التمويل التقليدية، احتاج الحزب إلى البحث عن قنوات جديدة.

ومن هنا يمكن فهم الأزمة باعتبارها أكثر من مجرد أزمة سيولة.

إنها اختبار لقدرة نموذج كامل على الاستمرار.


هل تفقد إيران أذرعها الإقليمية؟

هنا نصل إلى السؤال الأكبر.

هل تعني الأزمة المالية التي يواجهها حزب الله أن إيران بدأت تفقد نفوذها في المنطقة؟

ليس بهذه السرعة.

فالنفوذ لا يختفي بمجرد انخفاض التمويل، كما أن الضغوط المالية لا تعني تلقائيًا انهيار التنظيم.

لكن ما يحدث قد يشير إلى شيء أكثر دقة:

إيران لم تعد قادرة بالسهولة نفسها على إدارة شبكة نفوذها الإقليمية كما كانت تفعل في السابق.

فالحزب يواجه ضغطًا عسكريًا وماليًا.

وسوريا لم تعد تشكل الممر نفسه.

ولبنان يتجه إلى تشديد الرقابة على حركة الأموال.

والولايات المتحدة تفرض عقوبات على شبكات وشخصيات مرتبطة بالتمويل.

وإسرائيل تستهدف البنية المالية إلى جانب البنية العسكرية.

وفي المقابل، تحاول طهران البحث عن مسارات بديلة.

إذن نحن أمام صراع استنزاف أكثر من كونه انهيارًا فوريًا.


المشكلة ليست في المال وحده

هناك بعد آخر للقصة.

النفوذ الإيراني في المنطقة لم يعتمد فقط على الأموال، وإنما على وجود دول ضعيفة أو أزمات أمنية وسياسية تسمح بظهور قوى موازية للدولة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بحزب الله وحده.

بل:

ماذا يحدث عندما تبدأ الدولة اللبنانية باستعادة السيطرة على المؤسسات التي كانت تشكل مساحات نفوذ للحزب؟

مطار بيروت مثال.

مصرف لبنان مثال آخر.

قطاع الصرافة مثال ثالث.

وإذا ترافقت هذه الإجراءات مع مسار سياسي وأمني يفرض حصر السلاح بيد الدولة، فقد نشهد تحولًا أكبر من مجرد أزمة مالية.

لكن إذا بقيت الدولة ضعيفة، فقد يجد الحزب طرقًا جديدة للتكيف.

وهنا تكمن المفارقة.

إضعاف التمويل لا يكفي وحده إذا بقيت البيئة التي تسمح بإعادة بناء شبكات التمويل قائمة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
الضربات تتسع والخليج يستنفر.. هل دخلت المنطقة مرحلة أمنية جديدة؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


هل بدأ "مركز الثقل" الإيراني يتعرض للضغط؟

في القراءة الأوسع للمشهد الإقليمي، يمكن النظر إلى الضغوط على حزب الله باعتبارها جزءًا من محاولة استهداف البنية التي تربط إيران بأذرعها.

فالقوة ليست فقط في عدد المقاتلين أو حجم الترسانة.

القوة أيضًا في:

  • المال.
  • القيادة.
  • الاتصالات.
  • طرق الإمداد.
  • المؤسسات الاجتماعية.
  • القدرة على تعويض الخسائر.
  • القدرة على إعادة بناء القدرات.

وعندما تتعرض هذه العناصر للضغط في الوقت نفسه، يصبح التنظيم أمام اختبار مختلف.

لكن هل يكفي ذلك لإنهاء النفوذ الإيراني؟

ربما لا.

فالنفوذ الذي استغرق عقودًا لبنائه لن يختفي في أشهر.

لكن من الممكن أن يتغير شكله.

وقد تكون هذه هي النقطة الأهم.


من النفوذ الإيراني إلى النفوذ الوطني؟

إذا نجحت الضغوط الحالية، فإن النتيجة لا ينبغي أن تكون مجرد انتقال النفوذ من طرف إقليمي إلى طرف إقليمي آخر.

المسألة الأهم هي: هل يستطيع لبنان استعادة القرار داخل مؤسساته؟

فالمشكلة لا تكمن في إيران وحدها، ولا في حزب الله وحده.

المشكلة الأوسع هي وجود أي قوة مسلحة أو مالية أو سياسية قادرة على تجاوز مؤسسات الدولة.

وهذا يعيدنا إلى سؤال أكبر:

هل يستطيع لبنان بناء دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من شبكات النفوذ؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن الأزمة الحالية قد تصبح نقطة تحول.

أما إذا بقيت الدولة عاجزة عن ملء الفراغ، فإن تراجع شبكة نفوذ قد يفتح المجال أمام شبكة أخرى.


الخلاصة: الأزمة المالية قد تكون بداية وليست نهاية

من الخطأ التعامل مع أزمة تمويل حزب الله باعتبارها مجرد مشكلة أموال.

فالمال هنا هو جزء من منظومة أكبر تشمل السلاح والسياسة والخدمات والنفوذ والعلاقة مع إيران.

وقد أدت الحرب، والضغوط الأميركية، والعقوبات، وتشديد الرقابة اللبنانية، وتغير الوضع في سوريا، واستهداف البنية المالية، إلى وضع هذه المنظومة أمام اختبار صعب.

لكن النتيجة لم تُحسم بعد.

فحزب الله يقول إنه قادر على التكيف.

وإيران ما زالت تبحث عن طرق للحفاظ على دعمها.

والاقتصاد اللبناني النقدي لا يزال يوفر مساحات للمناورة.

وفي المقابل، تتوسع الرقابة وتضيق القنوات التقليدية للتمويل.

لذلك فإن السؤال الذي يستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة ليس فقط:

كم يملك حزب الله من المال؟

بل:

كم يستطيع أن ينفق؟ وكم يستطيع أن يعوض؟ وكم يستطيع أن يحافظ على شبكته الاجتماعية والعسكرية في الوقت نفسه؟

والأهم:

إذا كان النفوذ الإيراني قد بُني لعقود على شبكة من الأذرع، فماذا يحدث عندما تبدأ إحدى أهم هذه الأذرع بخسارة طرق التمويل والإمداد التي أبقتها قوية؟

قد لا تكون الإجابة سقوطًا سريعًا.

لكنها قد تكون بداية تحول تدريجي من شرق أوسط تحكمه شبكات النفوذ المسلح إلى مرحلة تحاول فيها الدول استعادة دورها ومؤسساتها.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال:

هل تفقد إيران حزب الله؟

بل:

هل تستطيع إيران الحفاظ على نموذج النفوذ نفسه في المنطقة إذا أصبحت كلفة تمويله وإدارته أعلى من أي وقت مضى؟

هذا هو السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا.

محور الحدث

محور الحدث

منصة إخبارية عربية متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات وتقارير معمقة تساعد القارئ على فهم ما وراء الخبر وأبعاده الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضا": سوريا وروسيا تحسمان مستقبل حميميم وطرطوس.. ماذا عن الوجود الروسي؟

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال