سوريا وروسيا تحسمان مستقبل حميميم وطرطوس.. ماذا عن الوجود الروسي؟

 بعد نحو عام ونصف من المفاوضات والمباحثات المكثفة، توصلت دمشق وموسكو إلى تفاهم يعيد رسم جانب مهم من مستقبل الوجود الروسي في سوريا، ولا سيما في الساحل السوري، حيث تتمركز أبرز المنشآت المرتبطة بحضور موسكو، وفي مقدمتها حميميم وطرطوس.

روسيا لا تختفي من الساحل السوري... لكنها تغيّر شكل وجودها.

مذكرة التفاهم الجديدة لا تعني خروج روسيا من سوريا، لكنها في الوقت نفسه لا تُبقي على صيغة الوجود السابقة. 

فالاتفاق يفتح الباب أمام إعادة تنظيم طبيعة هذا الحضور، مع نقل المنشآت ذات الطابع المدني إلى الإدارة السورية، وتحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة.

ومن هنا تبرز أهمية الاتفاق: هل تمثل هذه الترتيبات نهاية مرحلة القواعد العسكرية الروسية بصيغتها التقليدية، أم أنها بداية لنموذج جديد من التعاون يحافظ على جزء من النفوذ الروسي ولكن بأدوات مختلفة؟

ماذا اتفقت دمشق وموسكو؟

بحسب وزارة الخارجية السورية، تتضمن مذكرة التفاهم إعادة تحديد وظيفة المنشآت ذات الطابع العسكري، بحيث تتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة بين الجانبين.

وحدد الطرفان فترة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل وإعادة التنظيم، على أن تبدأ الترتيبات الجديدة بعد إنجاز الإجراءات المطلوبة.

وتقول دمشق إن الصيغة الجديدة تستهدف الحفاظ على المصالح المتبادلة بين سوريا وروسيا، وهو ما يعكس رغبة الطرفين في إعادة صياغة العلاقة العسكرية والأمنية بدلاً من قطعها.

لكن الوصول إلى هذه الصيغة بعد نحو 18 شهراً من المفاوضات يطرح سؤالاً أساسياً: ما الذي جعل مستقبل الوجود الروسي في سوريا يحتاج إلى كل هذا الوقت حتى يُحسم؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
من حميميم إلى حقول الغاز.. كيف يُعاد رسم النفوذ في شرق المتوسط؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

دمشق تستعيد إدارة المنشآت المدنية

من أبرز بنود التفاهم الفصل بصورة أوضح بين المنشآت المدنية والمنشآت ذات الطابع العسكري.

وبموجب الاتفاق، تستعيد الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيداً لإدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية السورية.

ولا يقتصر هذا التحول على الجانب الإداري، إذ يمكن أن يفتح المجال أمام إعادة استخدام هذه المنشآت في مجالات النقل والخدمات والأنشطة الاقتصادية.

وفي السياق نفسه، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا تسلمها إدارة مطار اللاذقية الدولي، في إطار مسار استعادة الدولة إدارة وتشغيل مرافق الطيران المدني وإعادة المطارات السورية إلى منظومة الطيران المدني الوطني.

وقالت الهيئة إن المرحلة المقبلة ستشمل استكمال الإجراءات الفنية اللازمة لإعادة تأهيل المطار وتشغيله، تمهيداً لاستقبال الرحلات الجوية.

وهنا تظهر أهمية التحول المدني في الساحل السوري: فاستعادة إدارة هذه المرافق قد لا تكون مجرد خطوة إدارية، بل جزءاً من مسار أوسع لإعادة دمج المنشآت الحيوية في مؤسسات الدولة السورية.

حميميم.. من قاعدة عسكرية إلى مركز تدريب؟

تُعد قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية واحدة من أبرز المنشآت العسكرية الروسية في سوريا، وقد لعبت دوراً محورياً في العمليات الجوية الروسية منذ تدخل موسكو في الحرب السورية.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، أعادت روسيا ترتيب انتشارها العسكري، وانسحبت من عشرات القواعد والنقاط، ليتركز وجودها بصورة أساسية في حميميم وطرطوس.

وكانت المنشأة الجوية في حميميم قد أُنشئت في إطار اتفاق أُبرم عام 2015، سمح للقوات الروسية باستخدامها دون مقابل ولأجل غير مسمى.

أما التفاهم الجديد فيضع وظيفة الموقع أمام تحول واضح. فبدلاً من استمرار القاعدة بالصيغة العسكرية السابقة، تتجه الترتيبات الجديدة نحو تحويلها إلى مركز تدريب وتأهيل مشترك.

وهذا التغيير يطرح مسألة تتجاوز الاسم أو طبيعة المنشأة: هل يؤدي الانتقال من قاعدة عسكرية إلى مركز تدريب إلى تغيير حجم النفوذ الروسي فعلياً، أم أن موسكو ستحتفظ بأدوات تأثير مختلفة داخل الموقع؟

الإجابة ستتوقف إلى حد كبير على كيفية تطبيق الاتفاق ميدانياً، وليس على الصيغة القانونية وحدها.

طرطوس.. المعادلة الأكثر حساسية

إذا كانت حميميم تمثل الركيزة الجوية للحضور الروسي، فإن ميناء طرطوس يحمل أهمية مختلفة، نظراً إلى موقعه البحري ودوره في الوجود الروسي في شرق المتوسط.

لكن الجانب الاقتصادي والإداري للميناء شهد تحولاً مهماً بعد سقوط النظام السابق.

ففي يناير 2025، أنهت السلطات السورية عقداً طويل الأجل كان يمنح شركة ستروي ترانس غاز الروسية حق تطوير وتشغيل منشآت تجارية في الميناء.

وفي وقت لاحق، حصلت موانئ دبي العالمية على امتياز لمدة 30 عاماً، بقيمة 800 مليون دولار، لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس.

وفي الوقت نفسه، استمرت المفاوضات السورية الروسية بشأن مستقبل الوجود العسكري الروسي في المنطقة.

وبذلك، تأتي مذكرة التفاهم لتضع حدوداً أكثر وضوحاً بين الدور المدني والاقتصادي للميناء وبين طبيعة التعاون العسكري بين دمشق وموسكو.

وهنا تكمن حساسية طرطوس: فالموقع لم يعد مرتبطاً فقط بالسؤال حول استمرار الحضور الروسي، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها الإدارة السورية والمصالح الروسية والاستثمارات الاقتصادية العربية.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
روسيا وأوكرانيا توسعان الحرب.. الموانئ والمسيّرات في قلب المعركة
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

لماذا تُعد طرطوس وحميميم مهمتين لموسكو؟

تكمن أهمية الموقعين في أنهما شكّلا معاً ركائز أساسية للحضور الروسي في سوريا، لكن كل واحد منهما أدى وظيفة مختلفة.

فـحميميم ارتبطت بصورة أساسية بالعمليات الجوية الروسية، بينما مثلت طرطوس نقطة بحرية استراتيجية لموسكو في شرق المتوسط.

ولهذا، فإن إعادة تنظيم الوجود الروسي في الموقعين لا تتعلق فقط بمستقبل منشأتين داخل الأراضي السورية، وإنما بطبيعة الأدوات التي ستستخدمها موسكو للحفاظ على مصالحها في المنطقة.

فالاتفاق الجديد يحد من الصيغة التقليدية للحضور العسكري، لكنه في المقابل يترك مجالاً للتعاون العسكري والتدريب المشترك مع دمشق.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التطورات باعتبارها انتقالاً من نموذج يعتمد على الوجود العسكري المباشر إلى صيغة أكثر مرونة، تجمع بين التعاون والتدريب والحفاظ على المصالح، من دون الإبقاء بالضرورة على الشكل السابق للقواعد الروسية في سوريا.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تمكنت موسكو من الحفاظ على جوهر نفوذها، حتى مع تغير شكل وجودها؟

دمشق وموسكو.. علاقة جديدة بعد سقوط الأسد

دخلت العلاقات السورية الروسية مرحلة مختلفة بعد سقوط نظام بشار الأسد، خصوصاً مع اللقاءات التي جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وزار الشرع موسكو مرتين منذ توليه السلطة؛ الأولى في 15 أكتوبر 2025، والثانية في 28 يناير 2026.

وخلال اللقاء الثاني، أشاد بوتين بجهود الشرع لاستعادة وحدة الأراضي السورية، بينما أكد الرئيس السوري أن لروسيا «دوراً تاريخياً» في استقرار سوريا والمنطقة.

ومع استمرار الاتصالات بين الجانبين، بدا أن المسار يتجه نحو إعادة صياغة العلاقة بدلاً من تحويل ملف القواعد الروسية إلى نقطة مواجهة مباشرة.

فدمشق تسعى إلى استعادة سيادتها وإدارة منشآتها، بينما تريد موسكو الحفاظ على مصالحها ونفوذها. ومذكرة التفاهم تبدو، وفق المعطيات الواردة، محاولة لإيجاد صيغة تلتقي فيها هذه المصالح المتباينة.

ثلاثة أشهر لاختبار الاتفاق

حدد الطرفان مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال إعادة تنظيم المنشآت وتحويل وظائف المواقع العسكرية وفق الصيغة الجديدة.

وهذه الفترة ستكون الاختبار الحقيقي للاتفاق، لأن التفاهم لم يعد مجرد إعلان سياسي، بل بات مرتبطاً بخطوات ميدانية وإدارية تشمل:

  • إعادة تنظيم الوجود الروسي.
  • نقل إدارة المنشآت المدنية إلى الدولة السورية.
  • إعادة تأهيل مطار اللاذقية.
  • إعادة إدخال بعض المنشآت إلى منظومة الإدارة المدنية.
  • تحويل المواقع العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة.
  • متابعة مستقبل الدور الروسي في الساحل السوري.

وبالتالي، قد تكون الأسابيع المقبلة أكثر أهمية من لحظة الإعلان عن المذكرة نفسها.

فالاختبار سيكون في كيفية تنفيذ عملية الاستلام، ومدى التزام الطرفين بالجدول الزمني، وطبيعة الترتيبات التي ستظهر على الأرض بعد انتهاء مهلة الأشهر الثلاثة.

روسيا تعيد تعريف حضورها في سوريا

لا تشير مذكرة التفاهم إلى انسحاب روسي كامل من سوريا، وإنما إلى تغيير واضح في طبيعة الحضور الروسي ووظائفه.

فموسكو ستحتفظ، وفق الصيغة الجديدة، بجانب من التعاون العسكري مع دمشق، ولكن ضمن إطار مختلف عن نموذج القواعد العسكرية التقليدية.

وفي المقابل، تستعيد الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية الرئيسية، بما فيها مرافق الطيران وبعض المنشآت المرتبطة بميناء طرطوس.

وهذا يجعل السؤال الأهم مختلفاً عن سؤال الانسحاب: ليس فقط هل بقيت روسيا في سوريا، وإنما كيف سيبدو الوجود الروسي في سوريا بعد إعادة تنظيمه؟

فإذا تحولت المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، وأصبحت المنشآت المدنية تحت إدارة الدولة السورية، فإن شكل العلاقة بين الطرفين سيكون مختلفاً عن المرحلة السابقة، حتى لو بقي التعاون قائماً.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
عودة الصواريخ الكورية الشمالية تشعل أخطر تصعيد بين روسيا وأوكرانيا
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الساحل السوري أمام مرحلة جديدة

تضع مذكرة التفاهم بين دمشق وموسكو الساحل السوري أمام مرحلة مختلفة، تتقاطع فيها السيادة السورية مع المصالح الروسية وإعادة تشغيل المنشآت المدنية وإعادة ترتيب الوظائف العسكرية.

استعادة إدارة مطار اللاذقية، وتسلم دمشق المنشآت المدنية المرتبطة بحميميم وطرطوس، وتحويل المواقع العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة، كلها مؤشرات على أن طبيعة الساحل السوري تتغير تدريجياً.

لكن نجاح هذه المرحلة لن تحدده بنود المذكرة وحدها.

الاختبار الحقيقي سيكون على الأرض: من يدير؟ من يملك القرار؟ ومن يحتفظ بالنفوذ؟

وهنا تكمن خلاصة المشهد.

فإذا نجحت دمشق في استعادة إدارة المنشآت المدنية، ونجحت موسكو في الحفاظ على التعاون العسكري والتدريبي، فقد تكون سوريا أمام صيغة جديدة للعلاقة مع روسيا، لا تقوم على الوجود العسكري المباشر كما كان في السابق، ولا على القطيعة الكاملة.

أما إذا بقيت الحدود بين الدور العسكري والمدني غير واضحة، فقد يتحول الاتفاق نفسه إلى بداية جولة جديدة من التفاوض حول النفوذ والسيادة.

ما وراء الحدث: حميميم وطرطوس ليستا مجرد منشأتين روسيتين على الساحل السوري؛ إنهما اختبار مبكر لشكل العلاقة بين دمشق وموسكو في المرحلة المقبلة. وما سيحسم مستقبل الوجود الروسي في سوريا لن يكون اسم القاعدة أو طبيعة المنشأة وحدهما، بل ميزان القرار والنفوذ الذي سيتشكل على الأرض.

محور الحدث

محور الحدث

منصة إخبارية عربية متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات وتقارير معمقة تساعد القارئ على فهم ما وراء الخبر وأبعاده الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضا": الحرب العالمية الثالثة تقترب؟ 6 جبهات قد تشعل العالم في خريف واحد

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال