من إيران إلى مصر.. هل جاء اتفاق مكة لكسر استراتيجية الاستفراد بدول المنطقة؟

 اتفاق مكة.. عندما يصبح منع الحرب أهم من خوضها

في 7 أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، في خطوة لافتة جاءت وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وتوترات متصاعدة مرتبطة بالحرب مع إيران وتهديدات أمن الخليج والبحر الأحمر. وينص الاتفاق على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، إلى جانب إنشاء آليات للتنسيق السياسي والعسكري، وتوسيع التعاون في التدريب والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية.

هل تتشكل خريطة نفوذ جديدة في الشرق الأوسط

لكن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في نصوصه.

الأهم هو توقيت ظهوره، وتركيبة أطرافه، والبيئة التي ولد فيها.

السعودية تمثل الثقل الاقتصادي والسياسي الأكبر في الخليج، وتملك موقعًا يتحكم في تقاطع الخليج والبحر الأحمر. وتركيا تمتلك قوة عسكرية وصناعية متقدمة وموقعًا يربط الشرق الأوسط بأوروبا والبحر الأسود، بينما تضيف باكستان إلى المعادلة جيشًا كبيرًا وقدرات نووية وعمقًا استراتيجيًا في جنوب آسيا.

وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة ضمن التزام دفاعي واحد، فإن الرسالة تتجاوز حماية الحدود.

إنها تقول، ببساطة:

الاستفراد بأحد الأطراف لن يكون سهلًا كما كان من قبل.

ولأن اتفاق مكة لم يظهر في فراغ، فإن فهمه يتطلب العودة إلى الخريطة التي سبقته.

المنطقة شهدت خلال السنوات الماضية تراجع دول، وصعود قوى مسلحة، وحروبًا طويلة، وتنافسًا على الموانئ والممرات البحرية، وتصاعدًا في أهمية الاقتصاد واللوجستيات بوصفهما أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن الدبابات والطائرات.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب طرحه ليس فقط:

لماذا تحالفت السعودية وتركيا وباكستان؟

بل:

ما الذي حدث في المنطقة حتى أصبح بناء هذا النوع من الردع الجماعي ضرورة؟


الخريطة لن تظهر إذا نظرنا إلى كل أزمة منفردة

إذا نظرنا إلى الشرق الأوسط ملفًا بعد ملف، فقد يبدو المشهد مجرد مجموعة أزمات منفصلة:

إيران.
اليمن.
السودان.
ليبيا.
الصومال وصوماليلاند.
البحر الأحمر.
قناة السويس.
شرق المتوسط.
أمن الخليج.

لكن عندما نضع هذه الملفات على خريطة واحدة، تبدأ خطوط أكثر وضوحًا بالظهور.

في الشرق توجد إيران ومضيق هرمز، الذي يمثل إحدى أهم نقاط اختناق الطاقة العالمية.

في الجنوب هناك اليمن وباب المندب وخليج عدن، حيث تتقاطع الحرب اليمنية مع أمن الملاحة الدولية والبحر الأحمر.

وفي الغرب تمتد السودان ثم البحر الأحمر ثم مصر وقناة السويس، في سلسلة جغرافية تصل المحيط الهندي بالمتوسط.

وفي شمال أفريقيا توجد ليبيا، بوابة البحر المتوسط وملتقى مصالح شمال أفريقيا وتركيا وأوروبا.

وعلى الجانب المقابل لخليج عدن تقع صوماليلاند وميناء بربرة، في موقع يطل على أحد أهم المسارات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر.

وفوق هذه الخريطة تقف تركيا كقوة عسكرية وصناعية تتحرك بين سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط والبحر الأسود.

وفي القلب، توجد السعودية، بثقلها الاقتصادي والسياسي والجغرافي.

ثم تأتي باكستان باعتبارها عمقًا استراتيجيًا مختلفًا، يجمع بين قوة عسكرية كبيرة وقدرة نووية وعلاقة أمنية تاريخية مع الرياض.

هذه الملفات ليست بالضرورة أجزاء من خطة واحدة، ولا توجد أمامنا وثيقة تثبت أن كل هذه الأحداث صُممت داخل غرفة واحدة، وبجدول زمني واحد، وبهدف واحد.

لكن هذا ليس ما يجعلها جديرة بالدراسة.

الأهم أن نتائج مسارات مختلفة بدأت تتقاطع جغرافيًا واستراتيجيًا.

فالموانئ تقع على الممرات نفسها، والطاقة تمر عبر المضائق نفسها، والحروب الداخلية تقترب من خطوط الملاحة نفسها، والقوى الإقليمية أصبحت حاضرة في أكثر من مسرح في الوقت نفسه.

وهنا تتحول الأزمة المحلية إلى عنصر في معادلة إقليمية أوسع.

ومن بين كل هذه العقد، تبقى إيران نقطة البداية.


إيران.. أكثر من برنامج نووي

لسنوات طويلة، جرى اختزال إيران في برنامجها النووي.

لكن إيران ليست مجرد ملف نووي.

هي دولة كبيرة جغرافيًا وسكانيًا، تملك موقعًا ملاصقًا لمضيق هرمز، وساحلًا على الخليج وخليج عمان، وشبكة نفوذ امتدت خلال السنوات الماضية إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن.

ولهذا فإن إضعاف إيران عسكريًا لا يعني بالضرورة إنهاء المشكلة الإيرانية.

السؤال الأهم هو:

ماذا يحدث إذا تحولت المواجهة من محاولة احتواء القوة الإيرانية إلى محاولة تغيير موقع إيران بالكامل داخل النظام الإقليمي؟

هذا السؤال اكتسب وزنًا إضافيًا بعدما تجاوزت المواجهة العسكرية مع طهران استهداف بعض المنشآت إلى ضرب قيادات ومراكز مرتبطة بالدولة، وبدأ الحديث علنًا عن احتمال تغيير النظام الإيراني كأحد نتائج الحرب.

لكن هناك فارقًا بالغ الأهمية بين أمرين:

إضعاف إيران.

وإسقاط الدولة الإيرانية أو تفكيك النظام السياسي فيها بالكامل.

الأول قد تراه قوى إقليمية عدة مصلحة أمنية.

أما الثاني فقد يفتح فراغًا استراتيجيًا لا يمكن معرفة من سيملؤه.

قد يكون وجود إيران قوية مشكلة لبعض خصومها، لكن انهيارها لا يعني تلقائيًا ولادة شرق أوسط أكثر استقرارًا. فقد يعني ببساطة أن قوة إقليمية ضخمة اختفت من المعادلة، تاركة وراءها مساحة مفتوحة أمام قوى أخرى.

ومن هنا يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد نقطة على الخريطة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
تصعيد أميركي إيراني.. طهران تغلق هرمز
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


هرمز.. لماذا تتجاوز المسألة حدود إيران؟

من السهل النظر إلى مضيق هرمز باعتباره ممرًا بحريًا.

لكن في الحساب الاستراتيجي هو نقطة اختناق ترتبط مباشرة بتدفقات الطاقة وحركة التجارة العالمية.

ولهذا فإن أي تحول جذري في وضع إيران أو علاقتها بالمضيق لن يبقى شأنًا إيرانيًا داخليًا.

سيؤثر على السعودية والإمارات وقطر والكويت والعراق، وعلى أسواق الطاقة، وعلى القوى العسكرية الدولية الموجودة في المنطقة.

ولهذا فإن مستقبل إيران يعني أيضًا مستقبل الخليج.

وإذا كان هناك سؤال أساسي في قراءة الحرب مع إيران، فهو لا يتعلق فقط بمن سيخرج منتصرًا في المعركة، بل:

من سيملك القدرة على التأثير في الخليج بعد انتهاء الحرب؟

فإيران الضعيفة قد تعيد توزيع القوة.

وإيران المنهارة قد تفتح فراغًا.

وإيران الخاضعة لنفوذ خارجي قد تجعل المضيق نفسه جزءًا من معادلة ضغط جديدة.

وبين هذه السيناريوهات كلها، تصبح تركيا أكثر أهمية لا أقل.


تركيا.. القوة التي يصعب تجاوزها

إذا كانت إيران تمثل إحدى ركائز القوة شرق الخليج، فإن تركيا تمثل نوعًا آخر من القوة.

فأنقرة لا تملك فقط جيشًا كبيرًا، بل تمتلك قاعدة صناعية واسعة، وصناعة دفاعية أصبحت ذات وزن إقليمي، وعضوية في حلف شمال الأطلسي، وموقعًا جغرافيًا يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود وآسيا الوسطى.

كما أن تركيا تتحرك في عدة ساحات في وقت واحد: سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط والبحر الأسود.

ولهذا فإن أي إعادة رسم شاملة للشرق الأوسط لا يمكن أن تتجاهل تركيا.

لكن الأهم من القوة العسكرية التركية هو استقلالية القرار التركي.

أنقرة تتعاون مع واشنطن وتختلف معها.

وتتفاوض مع موسكو وتتنافس معها.

وتملك مصالح مع دول الخليج، لكنها تخوض في الوقت نفسه صراعات نفوذ معها.

وتتعاون مع إيران في ملفات، وتتنافس معها في ملفات أخرى.

وهذا يمنح تركيا هامشًا استراتيجيًا واسعًا.

وبالتالي، إذا تغير ميزان القوة حول إيران، تصبح تركيا أكثر أهمية.

لكن هل يعني ذلك أن هناك خطة مثبتة تقول: إيران أولًا، ثم تركيا؟

لا.

لا توجد أدلة كافية تسمح بهذا الجزم.

لكن السؤال الأكثر عقلانية هو:

إذا تراجع مركز القوة الإيراني، فمن سيصبح اللاعب الأهم الذي لا يمكن تجاهله في صياغة التوازن الجديد؟

تركيا ستكون بين أبرز الإجابات.

ومن هنا نصل إلى السعودية.


السعودية.. العقدة التي يصعب تجاوزها

إذا وضعنا الخريطة كاملة أمامنا، ستظهر السعودية في مركزها تقريبًا.

شرقًا: الخليج ومضيق هرمز.

جنوبًا: اليمن وباب المندب.

غربًا: البحر الأحمر ومصر.

شمالًا: العراق وسوريا والأردن وتركيا.

وكل ذلك داخل دولة تملك واحدة من أهم اقتصادات المنطقة، وثقلًا سياسيًا ودينيًا يتجاوز حدودها، وموقعًا محوريًا في أمن الطاقة والتجارة.

لذلك فإن أي إعادة ترتيب حقيقية للقوة في الشرق الأوسط ستصل، في نهاية المطاف، إلى الرياض.

وهنا يمكن فهم أهمية اتفاق مكة.

فالاتفاق لم ينشأ في مرحلة هدوء، بل في بيئة أصبحت فيها السعودية تواجه تهديدات متعددة الاتجاهات، من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى أمن المنشآت والطاقة، إلى اليمن والبحر الأحمر.

وفي 6 أغسطس 2026، كانت السعودية قد حذرت من احتمال هجمات من جهتين، شمالًا وجنوبًا، على منشآت حيوية وموانئ ومطارات، في ظل تصاعد المواجهة مع إيران والقوى المرتبطة بها.

وبعد يوم واحد، جاء توقيع اتفاق مكة.

هذا التوقيت يستحق التوقف.

لأن الرسالة تبدو واضحة:

الردع لا يجب أن يبقى سعوديًا منفردًا.


من حماية السعودية إلى الردع الجماعي

السعودية لا تعاني بالضرورة من نقص في السلاح.

المشكلة أكثر تعقيدًا.

فالدولة التي تواجه تهديدات متعددة الاتجاهات تحتاج إلى أكثر من منظومات دفاعية متقدمة؛ تحتاج إلى أن تعرف أن الاعتداء عليها قد يفتح جبهة سياسية وعسكرية أوسع من حدودها.

وهذا هو جوهر الردع الجماعي.

حين يعرف الخصم أن الضغط على السعودية قد يستدعي تحرك تركيا وباكستان، فإن كلفة القرار ترتفع.

وقيمة اتفاق مكة لا تكمن فقط في عدد القوات التي قد تتحرك، بل في قدرته على منع حدوث الاختبار أصلًا.

فالردع الناجح هو الذي يجعل الحرب أقل جاذبية للخصم قبل أن تبدأ.

وهنا تظهر باكستان.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
بين شعارات طهران وواقعية الرياض.. من يعيد رسم الشرق الأوسط؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


باكستان.. لماذا لا يمكن تعويضها بسهولة؟

وجود باكستان في الاتفاق ليس مجرد إضافة دولة ثالثة إلى صيغة ثنائية.

إسلام آباد تضيف إلى المعادلة عناصر مختلفة:

جيشًا كبيرًا.

خبرة عسكرية واسعة.

صناعة دفاعية.

موقعًا استراتيجيًا في جنوب آسيا.

وقدرات نووية.

لكن يجب أن نكون دقيقين هنا.

اتفاق مكة لا يعني أن باكستان وضعت سلاحها النووي تحت مظلة دفاع تلقائية للسعودية وتركيا، ولا توجد في النصوص المعلنة صيغة بهذا المعنى.

لكن مجرد وجود قوة نووية داخل شبكة دفاعية تجمعها علاقات استراتيجية مع السعودية وتركيا يحمل وزنًا ردعيًا كبيرًا.

كما أن العلاقة الأمنية بين الرياض وإسلام آباد ليست جديدة.

ففي سبتمبر 2025 وقعت السعودية وباكستان اتفاق دفاع استراتيجي مشترك، يقوم بدوره على مبدأ أن الاعتداء على إحدى الدولتين يُعامل باعتباره اعتداءً على الأخرى.

وبالتالي فإن اتفاق مكة لم يبدأ العلاقة بينهما، بل أضاف إليها تركيا.

وهذه هي النقلة الحقيقية.


ثلاثة أنواع مختلفة من القوة

السعودية وتركيا وباكستان لا تضيف كل واحدة منها الشيء نفسه.

السعودية تقدم:

الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع العربي والوزن السياسي.

تركيا تقدم:

القوة العسكرية والصناعة الدفاعية والتكنولوجيا والموقع الجيوسياسي.

باكستان تقدم:

العمق الاستراتيجي والقدرة النووية والقوة العسكرية.

وبذلك تصبح المنظومة مزيجًا من أدوات مختلفة.

لكن الاتفاق لا يعني أن الدول الثلاث أصبحت جيشًا واحدًا.

وهو يحتاج إلى تطوير المؤسسات والآليات المشتركة.

وقد أعلنت تركيا أن التعاون سيشمل تدريبات برية وبحرية وجوية وسيبرانية، إلى جانب الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتطوير والإنتاج الدفاعي ونقل التكنولوجيا، فضلًا عن إنشاء آليات سياسية وعسكرية للتنسيق.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي:

هل يتحول الاتفاق من وثيقة سياسية إلى مؤسسة أمنية؟


هل يمكن لاتفاق مكة أن يصبح نواة لنظام أمني إقليمي؟

الاحتمال قائم، لكن لا شيء يضمنه.

حتى الآن لدينا اتفاق ثلاثي، غير أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال إن الاتفاق يمكن توسيعه، وذكر مصر تحديدًا باعتبارها دولة يمكن أن تنضم مستقبلًا، مع التأكيد على أنه لا يستبدل التحالفات القائمة.

وهذه الإشارة إلى مصر ليست عابرة.

لأن القاهرة هي القطعة التي يمكن أن تغير شكل الخريطة كلها.


مصر.. المفتاح الغربي للمنظومة

مصر تملك ما لا تملكه الدول الثلاث مجتمعة بالطريقة نفسها:

قناة السويس.

البحر المتوسط.

البحر الأحمر.

الحدود مع ليبيا.

الحدود مع السودان.

الحدود مع إسرائيل.

وقوة عسكرية كبيرة تجعل موقعها مؤثرًا في أي حساب إقليمي.

ولهذا فإن دخول القاهرة في أي منظومة دفاعية واسعة لن يكون مجرد إضافة عددية.

سيعني أن الترتيب يمتد من جنوب آسيا إلى الخليج، ثم البحر الأحمر وقناة السويس والمتوسط.

لكن مصر لم تنضم إلى الاتفاق الثلاثي حتى الآن، ولا ينبغي تحويل احتمال التوسع إلى قرار نهائي.

القاهرة لها حساباتها الخاصة.

لديها علاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا، واتفاقية سلام مع إسرائيل، وملفات شديدة الحساسية في السودان وليبيا وغزة وإثيوبيا.

ولهذا فإن انضمامها، إن حدث، سيكون قرارًا استراتيجيًا كبيرًا.

وفي الوقت نفسه، ستظل مصر حريصة على ألا تتحول إلى ساحة لصراع الآخرين.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
من يحكم مضيق هرمز اليوم: القانون الدولي... أم طهران؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


مصر والإمارات.. عندما يلتقي الاستثمار بالموقع

هنا نعود إلى الوجه الآخر من الخريطة.

ففي الوقت الذي يُبحث فيه مستقبل مصر داخل نظام أمني إقليمي محتمل، يتوسع الوجود الاقتصادي الإماراتي داخل البلاد.

وهنا يجب أن تكون القراءة دقيقة.

الإمارات لا تسيطر على مصر، ولا توجد أدلة تسمح بهذا الاستنتاج.

القاهرة تملك السيادة والقوات المسلحة والإطار القانوني الذي يحكم الاستثمارات والموانئ.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الاستثمارات الإماراتية أصبحت حاضرة في أصول استراتيجية ومواقع شديدة الحساسية.

وفي 2026 بدأت مجموعة موانئ أبوظبي التشغيل التجريبي لمحطة سفاجا ضمن امتياز طويل الأجل، بينما سبق لها توقيع اتفاق لتطوير منطقة صناعية ولوجستية في شرق بورسعيد.

السؤال هنا ليس:

هل اشترت الإمارات مصر؟

بل:

ماذا يحدث عندما يتراكم الاستثمار طويل الأجل في الموانئ والمناطق الاقتصادية والعقارات والمشروعات الضخمة داخل دولة تملك قناة السويس؟

الجواب ليس بالضرورة "سيطرة".

لكنه قد يكون نفوذًا اقتصاديًا متراكمًا.

وهذا فرق جوهري.


رأس الحكمة.. عندما تتجاوز الصفقة حدود العقار

في فبراير 2024، أعلنت القاهرة صفقة رأس الحكمة مع شركة ADQ الإماراتية بقيمة 35 مليار دولار، في واحدة من أكبر الصفقات الاستثمارية في تاريخ مصر الحديث، مع توقعات بإمكان جذب نحو 150 مليار دولار من الاستثمارات على مراحل.

من الزاوية الاقتصادية، توفر الصفقة لمصر تدفقات مالية واستثمارات كبيرة.

ومن زاوية الإمارات، تمنح ADQ حضورًا في مشروع عمراني ضخم على ساحل المتوسط.

لكن قيمة الصفقة بالنسبة إلى هذه الخريطة لا تكمن في حجمها فقط.

بل في موقعها.

فمصر ليست دولة ساحلية عادية، وإنما تجمع البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتملك قناة السويس بينهما.

وعندما توضع رأس الحكمة إلى جانب الاستثمارات الإماراتية في الموانئ والمناطق اللوجستية، يظهر بُعد آخر:

التمركز داخل شبكة تجارية استراتيجية.

وهنا يتحول الاقتصاد إلى عنصر من عناصر الجغرافيا السياسية.


الإمارات.. نفوذ متعدد الأدوات

إذا عدنا إلى الخريطة التي بدأنا بها، سنجد أن الإمارات حاضرة بدرجات مختلفة في عدد من العقد:

اليمن.

بربرة في صوماليلاند.

السودان، وسط اتهامات بالدعم تنفيها أبوظبي.

ليبيا، من خلال دعم سابق لمعسكر خليفة حفتر.

مصر، من خلال الاستثمارات والموانئ والمشاريع الكبرى.

لكن الأدوات ليست متطابقة.

في اليمن كان النفوذ سياسيًا وعسكريًا.

في ليبيا ارتبط بدعم حفتر.

في بربرة كان اقتصاديًا ولوجستيًا.

في السودان تدور اتهامات واسعة ومتنازع عليها.

وفي مصر تظهر القوة الاقتصادية بوضوح.

ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت الإمارات "تسيطر" على هذه المواقع، بل:

هل بنت الإمارات نموذجًا للنفوذ الإقليمي يعتمد على مزيج من الاستثمار واللوجستيات والعلاقات السياسية والأمنية؟

الجواب يبدو أقرب إلى نعم.

لكن ذلك لا يثبت أنها تتحرك وفق خطة واحدة لإعادة تشكيل المنطقة.

وهنا يجب أن نفصل بين وجود شبكة نفوذ وبين إثبات وجود مشروع موحد.


اليمن.. باب المندب كاختبار

في اليمن، دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو طرف سياسي وعسكري يحمل مشروعًا انفصاليًا للجنوب.

وهذا جعل النفوذ الإماراتي يرتبط بمناطق ساحلية وجزر وممرات تقع بالقرب من باب المندب وخليج عدن.

وفي المقابل، كانت السعودية تقاتل الحوثيين ضمن تحالف عربي، لكنها لم تكن دائمًا تنظر إلى مستقبل الجنوب اليمني بالطريقة نفسها التي تنظر بها بعض القوى المدعومة إماراتيًا.

وهنا يظهر الفرق بين التحالف ضد خصم مشترك والاتفاق على مستقبل الدولة بعد الحرب.

قد تتفق دولتان على مواجهة الحوثيين، لكن تختلفان بشأن شكل اليمن بعد انتهاء الحرب.

ولهذا لا نحتاج إلى القول إن الإمارات كانت تعمل من أجل تقسيم اليمن باعتباره هدفًا مثبتًا.

الأدق هو أن دعم القوى الجنوبية ساهم في تعزيز واقع سياسي وعسكري مجزأ داخل اليمن، وأن لهذا الواقع انعكاسات مباشرة على أمن باب المندب.

ومن يملك نفوذًا على السواحل الجنوبية لا يملك مجرد نفوذ محلي، بل موقعًا على مسار ملاحي عالمي.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
السعودية تقود تحالفًا بحريًا جديدًا.. هل يتغير أمن البحر الأحمر؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


السودان.. بين الاتهام والنفوذ

السودان حالة أكثر حساسية.

فهناك اتهامات متكررة بأن الإمارات قدمت دعمًا لقوات الدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي ذلك.

وفي ديسمبر 2024، نقلت رويترز تقارير عن رحلات جوية من الإمارات إلى تشاد أثارت شكوكًا أممية ودبلوماسية بشأن احتمال نقل أسلحة إلى قوات الدعم السريع، بينما قالت الإمارات إن الرحلات مرتبطة بالمساعدات الإنسانية.

وفي 2026 استمرت الاتهامات السودانية، بما في ذلك اتهامات تتعلق بطائرات أو طائرات مسيرة، مع نفي إماراتي متواصل.

ولهذا يجب أن تبقى الصياغة دقيقة:

هناك اتهامات وتقارير وشكوك دولية، وهناك نفي إماراتي صريح.

ولا يصح تقديم الاتهام باعتباره حكمًا قضائيًا نهائيًا.

لكن حتى بعيدًا عن الحسم في هذا الملف، يبقى السودان جزءًا أساسيًا من المعادلة.

فالدولة تطل على البحر الأحمر، وتجاور مصر وليبيا وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.

وكلما طال الصراع، زادت احتمالات تحول السودان إلى مساحة نفوذ متنافسة.

وهنا يصبح أمن السودان قضية تتجاوز الخرطوم، لتصل إلى مصر والسعودية والبحر الأحمر.


صوماليلاند وبربرة.. الميناء الذي يغير قيمة الجغرافيا

على الجانب الآخر من خليج عدن، تقع صوماليلاند، المنطقة التي ظلت غير معترف بها دوليًا رغم إعلان استقلالها عن الصومال عام 1991.

لكن ميناء بربرة منحها قيمة استراتيجية متزايدة، فيما عززت مجموعة موانئ دبي العالمية حضورها هناك.

ثم جاءت خطوة أكثر إثارة.

في ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسميًا بصوماليلاند دولة مستقلة.

وهنا لدينا واقعتان واضحتان:

وجود اقتصادي إماراتي قوي في بربرة.

واعتراف إسرائيلي رسمي بصوماليلاند.

لكن لا توجد لدينا أدلة كافية تسمح بقول إن الإمارات وإسرائيل خططتا معًا لهذا المسار.

الأدق هو القول إن الوجود الإماراتي في بربرة والاعتراف الإسرائيلي اللاحق بصوماليلاند خلقا تقاطعًا جيوسياسيًا جديدًا حول موقع شديد الحساسية على خليج عدن.

وهذا وحده يكفي لطرح السؤال، لأن الموانئ أصبحت من العوامل التي تزيد الوزن السياسي والاستراتيجي للكيانات الواقعة عليها.


ليبيا.. عندما تتحول الدولة المنقسمة إلى ساحة نفوذ

في ليبيا، كان الدور الإماراتي أكثر عسكرية.

فالإمارات كانت أحد أبرز الداعمين الخارجيين لخليفة حفتر، فيما دعمت تركيا حكومة الوفاق وقدمت لها دعمًا عسكريًا غيّر ميزان القوى خلال معركة طرابلس.

وهنا لم تكن ليبيا مجرد حرب داخلية، بل ساحة صراع على:

النفوذ.

والبحر المتوسط.

والطاقة.

والهجرة.

والحدود.

والوجود العسكري.

والعلاقات بين شمال أفريقيا وشرق المتوسط.

ولهذا فإن دعم حفتر لا يثبت أن الهدف النهائي كان تقسيم ليبيا.

لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن استمرار الصراع بين الشرق والغرب ساهم في ترسيخ الانقسام الليبي وإطالة أمد غياب السلطة المركزية الموحدة.

وهذا يكفي لجعل ليبيا جزءًا من الخريطة الأوسع.


إسرائيل والإمارات.. أين يبدأ تقاطع المصالح؟

منذ توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020، أصبحت العلاقات بين الإمارات وإسرائيل رسمية ومفتوحة، وتوسعت في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطيران ومجالات أخرى.

هذه حقيقة.

لكن وجود علاقة استراتيجية لا يعني أن كل تحرك إماراتي هو تحرك إسرائيلي.

لذلك يجب التفريق بين ثلاثة مستويات:

الوقائع: علاقات رسمية ومصالح مشتركة.

تقاطع المصالح: مصالح مشتركة في بعض الملفات، ومنها التجارة والأمن البحري وبعض القضايا الإقليمية.

الفرضية: وجود مشروع مشترك لإعادة رسم المنطقة بالكامل.

ففي السياسة الدولية، قد تتحرك دولتان وفق حساباتهما الخاصة، ثم تجد أن نتائج تحركاتهما تخدم أهدافًا متقاربة.

وهذا أكثر واقعية من افتراض أن كل شيء يصدر من غرفة عمليات واحدة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
السعودية ترفع الجاهزية في البحر الأحمر وتتوعد الحوثيين بالرد
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


هل كانت هناك خطة لاستهداف السعودية؟

هنا يجب إعادة صياغة السؤال نفسه.

ليس لدينا دليل كاف على خطة سرية متكاملة تقول:

إيران أولًا. ثم تركيا. ثم باكستان. ثم السعودية. ثم مصر.

لكننا نستطيع أن نرى أن كل تغيير في إحدى هذه القوى ينعكس على الأخريات.

إذا ضعفت إيران، ارتفعت أهمية تركيا والسعودية.

إذا انشغلت تركيا، تغير هامش الحركة السعودي.

إذا استنزفت باكستان، تراجع جزء من العمق الردعي الذي يمكن أن تعتمد عليه الرياض.

وإذا تعرضت السعودية لضغط من أكثر من اتجاه، تصبح الحاجة إلى شبكة تحالفات أمنية أكبر.

وهنا تحديدًا يظهر اتفاق مكة.

ليس بوصفه دليلًا على وجود مؤامرة مضادة، بل باعتباره استجابة سياسية وعسكرية لبيئة باتت فكرة الاستفراد فيها أكثر خطورة.


من الاستفراد إلى التشبيك

ربما لسنا أمام حرب بين معسكرين واضحين، ولا أمام خطة واحدة تتحرك كل الدول وفقها.

بل أمام تنافس متعدد المستويات:

دول تتنافس.

وشركات تستثمر.

وموانئ تتوسع.

وقوى عسكرية تنتشر.

وممرات بحرية تزداد قيمتها.

وتحالفات تتغير.

وفي ظل هذا كله، تحاول كل دولة أن تمنع تحولها إلى الحلقة الأضعف.

الإمارات بنت شبكة نفوذ تعتمد بدرجة كبيرة على الاقتصاد واللوجستيات والعلاقات الثنائية.

أما السعودية وتركيا وباكستان، فبدأت عبر اتفاق مكة في بناء شبكة ردع تعتمد بدرجة أكبر على القوة العسكرية والتنسيق الاستراتيجي.

ومصر تقف عند نقطة تقاطع بين النموذجين: هي تحتاج إلى رأس المال والشراكات، لكنها تملك الموقع والقوة والأدوات السياسية.

وهذا ما يجعل القاهرة مختلفة.


هل يمكن أن يولد نظام أمني إقليمي جديد؟

الاحتمال موجود، لكن بناء النظام شيء والإعلان عنه شيء آخر.

الاتفاق يحتاج إلى مؤسسات، وآليات قيادة، وتبادل استخباراتي، وتدريبات حقيقية، ودفاع جوي وصاروخي منسق، وتعاون صناعي، وحماية للممرات البحرية، وتعريف واضح للحالات التي تستوجب الرد المشترك.

إذا تحقق ذلك، فقد نكون أمام تحول حقيقي.

أما إذا بقي الاتفاق في إطار البيانات السياسية والزيارات والاجتماعات، فسيبقى مهمًا، لكنه لن يصبح نظامًا أمنيًا جديدًا.

والأهم أن نجاحه لن يعتمد فقط على السعودية وتركيا وباكستان، بل على قدرة هذه الدول على إدارة اختلافاتها.

فهي ليست متطابقة المصالح، والتحالفات الحقيقية لا تنجح عندما تتفق الدول في كل شيء، بل عندما تعرف كيف تمنع خلافاتها من تدمير المصالح المشتركة.


ماذا عن الولايات المتحدة؟

اتفاق مكة لا يعني بالضرورة قيام جبهة معادية لواشنطن.

تركيا عضو في حلف الناتو.

السعودية شريك أمني واقتصادي مهم للولايات المتحدة.

وباكستان لديها تاريخ طويل من التعاون الأمني مع واشنطن.

وقد أكدت تركيا أن الاتفاق لا يستبدل التحالفات القائمة.

لذلك قد يكون ما نراه أقرب إلى تنويع لمصادر الأمن، لا قطيعة مع النظام الغربي.

فالدول لا تحتاج إلى اختيار حليف واحد لبناء أمنها.

يمكنها أن تنشئ طبقات متعددة من التحالفات والشراكات والصناعات الدفاعية والقدرات المحلية والتفاهمات الإقليمية.

وكل طبقة تقلل من اعتمادها على الأخرى.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
إس-400 يرحل من تركيا... فمن اشترى الصمت قبل أن يشتري المنظومة؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


وهل اتفاق مكة ضد إيران؟

إيران ستراقب الاتفاق بالطبع.

لكن الاتفاق نفسه لم يُعلن باعتباره تحالفًا ضد طهران، بل أكدت تركيا أنه دفاعي وليس موجّهًا إلى دولة محددة.

وهذا مهم.

فالاتفاق لا يحتاج إلى إعلان خصم لكي تكون له قيمة ردعية.

مجرد معرفة أي قوة بأن الاعتداء على طرف واحد قد يوسع دائرة المواجهة، يمكن أن يغير حساباتها.

وهذا هو جوهر الردع:

أحيانًا يكون أقوى تحالف هو الذي يمنع الحرب بدل أن يخوضها.


من يعيد رسم الشرق الأوسط؟

بعد المرور بكل هذه الملفات، ربما لم يعد السؤال الصحيح:

من باع العرب؟

ولا:

من يقود المؤامرة؟

ولا:

هل الإمارات وحدها وراء كل ما يحدث؟

هذه أسئلة سهلة نسبيًا، لكنها لا تفسر التعقيد الحقيقي.

السؤال الأصعب هو:

من الذي يبني القدرة على التأثير في الخريطة عندما تتغير قواعد اللعبة؟

فهناك إيران، التي حاولت على مدى سنوات بناء نفوذ يتجاوز حدودها.

وهناك إسرائيل، التي تعمل على توسيع شبكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

وهناك تركيا، التي بنت قدرة عسكرية وصناعية تجعل تجاوزها صعبًا.

وهناك الإمارات، التي وسعت نفوذها عبر الاقتصاد والموانئ والاستثمار والعلاقات السياسية.

وهناك السعودية، التي تتحرك لبناء طبقات أوسع من الردع الإقليمي.

وهناك باكستان، التي تضيف إلى المعادلة عمقًا عسكريًا ونوويًا.

ثم هناك مصر، التي تملك واحدًا من أهم مفاتيح الخريطة كلها.

ولهذا فإن الشرق الأوسط لا يبدو متجهًا إلى نظام واحد واضح، بل إلى تعدد متزايد في مراكز القوة.

وهذا قد يكون أكثر تعقيدًا من الصراع التقليدي بين معسكرين.


الخلاصة: السؤال لم يعد من يملك النفوذ.. بل من يملك المستقبل

ربما كان السؤال الذي بدأت به هذه المقالة أكبر من أن تجيب عنه واقعة واحدة، وأخطر من أن يُختزل في اتهام دولة أو إثبات مؤامرة.

فما تكشفه الخريطة الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس والبحر المتوسط ليس بالضرورة وجود غرفة عمليات واحدة تدير كل هذه التحولات، لكنه يكشف بوضوح أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتغير فيها قواعد القوة والنفوذ.

إيران تواجه إعادة تعريف لدورها الإقليمي، وتركيا تثبت أنها قوة يصعب تجاوزها، وباكستان تدخل المعادلة بعمقها العسكري والنووي، والسعودية تحاول بناء شبكة أوسع لحماية أمنها، والإمارات تتحرك بأدوات اقتصادية ولوجستية وسياسية متعددة، بينما تقف مصر عند نقطة يمكن أن تجعلها لاعبًا في إعادة تشكيل النظام الإقليمي، لا مجرد دولة تتأثر به.

ومن هنا تصبح قيمة اتفاق مكة أكبر من بنوده العسكرية.

فإذا تمكنت السعودية وتركيا وباكستان من تحويل الالتزام السياسي إلى منظومة حقيقية للردع والتنسيق، ثم اتسعت هذه المنظومة لتشمل دولًا أخرى، فقد تكون المنطقة أمام بداية انتقال من منطق التحالفات المؤقتة إلى منطق التكتلات الأمنية.

لكن ذلك لن يحسم وحده مستقبل الشرق الأوسط.

فالقوة العسكرية تحتاج إلى اقتصاد يحميها، والاقتصاد يحتاج إلى ممرات آمنة، والممرات تحتاج إلى نفوذ سياسي، والنفوذ لا يستمر من دون قدرة على حماية المصالح.

وهنا تتقاطع كل خطوط الخريطة التي بدأنا منها:

هرمز.
باب المندب.
البحر الأحمر.
قناة السويس.
المتوسط.

فهذه ليست مجرد نقاط جغرافية، بل مفاتيح للنفوذ.

ولهذا فإن المعركة المقبلة قد لا تكون حول من يرفع علمه فوق أرض جديدة، بل حول من يستطيع أن يجعل مصالحه جزءًا لا يمكن تجاوزه من النظام الذي يتشكل.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، تصبح مصر أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فالقاهرة لا تملك فقط جيشًا كبيرًا أو موقعًا استراتيجيًا؛ إنها تملك مفتاح الاتصال بين البحر الأحمر والمتوسط، وتستطيع، إذا أحسنت إدارة موقعها وشراكاتها، أن تتحول من دولة تتعامل مع توازنات الآخرين إلى دولة تشارك في إنتاج التوازن نفسه.

أما الإمارات، فإن وزنها في هذه الخريطة لن يُقاس فقط بحجم استثماراتها، بل بقدرتها على تحويل هذا الحضور الاقتصادي واللوجستي إلى نفوذ مستدام، وبمدى توافق هذا النفوذ مع مصالح القوى العربية الأخرى.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الصحيح هو: من يحرك الشرق الأوسط؟

السؤال الأكثر أهمية هو:

من يملك القدرة على التأثير في قواعد اللعبة عندما تتغير؟

لأن المنطقة التي تُعاد صياغتها اليوم لن تمنح نفوذها لمن يملك المال وحده، ولا لمن يملك السلاح وحده.

ستمنحه لمن يستطيع أن يجمع الموقع، والقوة، والاقتصاد، والتحالفات، والاستقلال في القرار داخل معادلة واحدة.

وعندها فقط سنعرف إن كان اتفاق مكة مجرد استجابة لمرحلة مضطربة، أم أنه أول لبنة في نظام أمني جديد.

أما الشرق الأوسط، فقد بدأ بالفعل في كتابة هذه الإجابة.


وسام المصري
رئيس التحرير

اقرأ أيضا": بعد سقوط الأسد.. سوريا تفتح أخطر ملفات النظام السابق من القضاء إلى النووي

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال