لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 نهاية الملفات المرتبطة بسنوات حكمه، بل يبدو اليوم أنه كان بداية مرحلة مختلفة، تنتقل فيها قضايا القمع والقتل وجرائم الحرب من ساحات الاتهام السياسي إلى المحاكم، بالتوازي مع ظهور ملفات أمنية وعسكرية شديدة الحساسية بقيت طي الكتمان لسنوات.
وفي أحدث تطورات هذا المسار، أصدرت محكمة سورية حكماً غيابياً بالإعدام بحق الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، بينما صدر حكم وجاهي بالإعدام بحق عاطف نجيب، ابن خالة الأسد، على خلفية جرائم قالت المحكمة إنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
لكن القضية لا تتوقف عند الأحكام القضائية. فبعد سقوط النظام، بدأت السلطات السورية الجديدة ملاحقة مسؤولين عسكريين وأمنيين سابقين، فيما امتد أثر هذه الملاحقات إلى خارج الحدود السورية، ووصل إلى لبنان، حيث أوقفت السلطات ضابطاً سورياً سابقاً مطلوباً من القضاء السوري.
وفي الخلفية، يبرز ملف أكثر حساسية يتعلق بمواد نووية ومخلفات برنامج سري لنظام الأسد، وسط تحركات أميركية وإسرائيلية ودولية لمنع تحولها إلى أزمة أمنية جديدة.
حكم الإعدام.. بداية المحاسبة أم فصل جديد؟
أدانت المحكمة السورية بشار الأسد بجرائم شملت القتل العمد والقصد لأكثر من شخص وللأطفال، والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية، معتبرة أن مسؤوليته تعود إلى موقعه باعتباره صاحب القرار الأعلى الذي سخّر أجهزة الدولة لتنفيذ تلك السياسات.
كما قضت بإعدام ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، بعد إدانته بتهم تتعلق بالقتل العمد والقصد والتعذيب والتحريض، وقررت ملاحقتهما دولياً.
أما عاطف نجيب، الذي كان يرأس فرع الأمن السياسي في درعا عام 2011، فقد حُكم عليه بالإعدام وجاهياً، بعد إدانته بجرائم بينها القتل العمد والقتل القصد لأطفال دون 15 عاماً والتعذيب المفضي إلى الموت.
واعتبرت المحكمة أن الأفعال المنسوبة إليه ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، خصوصاً خلال الحملة الأمنية التي شهدتها درعا في بداية الاحتجاجات السورية.
وهنا يبرز سؤال أكبر من الحكم نفسه: هل يمكن أن تتحول هذه الأحكام إلى مسار قضائي متكامل يطال بقية المسؤولين عن مرحلة حكم الأسد، أم أن غياب عدد من أبرز المتهمين سيبقي المحاسبة ناقصة؟
فقد فرّ بشار وماهر الأسد إلى روسيا بعد سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، حيث مُنحا اللجوء على أسس إنسانية، بينما بقيت إمكانية تنفيذ الأحكام بحقهما مرتبطة أولاً بإمكانية الوصول إليهما وتسليمهما.
من دمشق إلى بيروت.. الحدود لا توقف الملاحقات
في تطور يعكس اتساع نطاق الملاحقات، أوقفت السلطات اللبنانية اللواء السوري المتقاعد عادل عيسى، البالغ 67 عاماً، بعد حضوره إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة.
وبحسب مصدر قضائي لبناني، تبين أن عيسى مطلوب بموجب مذكرة توقيف غيابية صادرة عن القضاء السوري، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم قتل وجرائم ضد الإنسانية خلال خدمته في الجيش السوري.
وبعد توقيفه، تسلّمه القضاء اللبناني، فيما وجّه مدعي عام التمييز أحمد رامي الحاج كتاباً إلى المدعي العام السوري لطلب ملف استرداده والاطلاع على القضية، تمهيداً لاتخاذ القرار بشأن تسليمه من عدمه.
القضية تحمل أهمية تتجاوز مصير ضابط سابق، لأنها تأتي في وقت تحاول فيه بيروت ودمشق إعادة بناء العلاقات بين البلدين بعد عقود من الوصاية السورية على لبنان.
فهل يصبح التعاون الأمني والقضائي بين البلدين اختباراً حقيقياً للعلاقة الجديدة؟ وهل ستتمكن دمشق من ملاحقة المطلوبين الموجودين خارج أراضيها، أم ستصطدم هذه العملية باعتبارات سياسية وقانونية تتجاوز القضاء؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
سوريا وروسيا تحسمان مستقبل حميميم وطرطوس.. ماذا عن الوجود الروسي؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الملف الأكثر غموضاً.. ماذا يوجد في «الموقع 99»؟
بينما تتقدم الملاحقات القضائية، يظهر ملف آخر شديد الحساسية يتعلق بموقع سري في سوريا ارتبط بمواد نووية ومخلفات من البرنامج النووي السابق.
وتشير معلومات أوردتها «أكسيوس» إلى تفاهمات بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإسرائيل والحكومة السورية الجديدة تمهّد لإزالة مواد من موقع يعرف باسم «الموقع 99»، بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولا تزال عملية إزالة المواد في مراحلها التحضيرية، إذ لم تُنقل من الموقع حتى الآن، وفق المعلومات التي أوردتها «أكسيوس».
لكن هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة.
فـ«مركز ألما» تحدث عن موقع آخر يعرف باسم «مشروع 99» في منطقة تل قرطل، على بعد نحو 35 كيلومتراً شمال حمص و18 كيلومتراً جنوب حماة، وكان مرتبطاً خلال عهد الأسد بأنشطة لتطوير وإنتاج الصواريخ الباليستية بالتعاون مع إيران وكوريا الشمالية.
ولا توجد، وفق المعلومات المتاحة، أدلة كافية للجزم بأن «الموقع 99» الذي تحدثت عنه «أكسيوس» هو نفسه «مشروع 99» في تل قرطل.
وهذا التفصيل ليس هامشياً، بل جوهري لفهم القضية.
فهل نحن أمام موقعين مختلفين يحملان الاسم نفسه؟ أم أن المعلومات المتداولة عن الموقعين تعكس أجزاء متفرقة من شبكة منشآت عسكرية وأمنية كانت تعمل بعيداً عن الرقابة؟
«الكعكة الصفراء» وبقايا مفاعل «الكِبَر»
تزداد حساسية الملف مع الحديث عن تخزين نظام الأسد مادة «الكعكة الصفراء»، وهي مادة وسيطة في دورة الوقود النووي، إضافة إلى بقايا ومواد مرتبطة بمشروع مفاعل «الكِبَر» الذي دمرته إسرائيل عام 2007.
وبحسب المعلومات الواردة في التقارير، فإن هذه المواد لا تكفي بمفردها لصنع سلاح نووي، لكنها قد تُستخدم في جهاز تفجيري تقليدي لنشر مواد مشعة وتلويث منطقة محيطة، وهو ما يُعرف بـ«القنبلة القذرة».
كما أن تخزين «الكعكة الصفراء» لا يتطلب بالضرورة منشأة تشبه المفاعل النووي، إذ يمكن تخزينها في براميل معدنية محكمة داخل منشأة مؤمنة، مع ضرورة التحكم في الوصول إليها وإجراء عمليات الجرد والفحص والمراقبة.
لكن المعلومات المتاحة لا تكشف ظروف تخزين هذه المواد في الموقع السوري، ولا نوع الحاويات المستخدمة أو مستوى الحماية الذي كان مفروضاً عليها.
وهنا يظهر السؤال الأخطر: إذا كانت هذه المواد بقيت موجودة بعد سقوط النظام، فمن كان يملك القدرة على الوصول إليها والسيطرة عليها؟
لماذا تحركت إسرائيل والولايات المتحدة؟
بحسب مسؤولين إسرائيليين، قصفت إسرائيل مداخل الموقع بعد فترة قصيرة من سقوط الأسد لمنع الوصول إليه، بينما ناقشت مع الولايات المتحدة لأكثر من عام كيفية التعامل مع المنشأة.
وتقول المعلومات إن إسرائيل رفضت ترك المواد في مكانها، في حين أثارت تحركات لاحقة في المنطقة مخاوف من محاولة جهات سورية الوصول إلى الموقع، مع ورود حديث عن دور تركي محتمل.
لكن إدارة ترمب طلبت من إسرائيل الامتناع عن تنفيذ عمل عسكري، وأدخلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في العملية.
ووفق «أكسيوس»، أُبرم قبل نحو ثلاثة أسابيع اتفاق بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والحكومة السورية لإزالة المواد.
وهذا يفتح باباً آخر للتساؤل:
هل كان التحرك الأميركي والإسرائيلي مرتبطاً فقط بمنع انتشار المواد الخطرة، أم أن الموقع يخفي معلومات أوسع عن شبكة الأسلحة والبرامج السرية التي عمل عليها نظام الأسد؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
سوريا تضبط شحنة أسلحة متطورة كانت متجهة إلى حزب الله
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
سقوط النظام كشف الملفات.. لكنه لم يغلقها
بين أحكام الإعدام بحق بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب، وتوقيف ضابط سوري سابق في لبنان، وفتح ملفات مسؤولين عسكريين وأمنيين من الحقبة السابقة، تبدو سوريا أمام مرحلة جديدة من التعامل مع إرث نظام استمر لعقود.
لكن المسار القضائي ليس منفصلاً عن المسار الأمني.
فالدولة الجديدة لا تواجه فقط سؤال محاسبة المتهمين بجرائم خلال الحرب، وإنما تواجه أيضاً إرثاً من المنشآت والبرامج السرية والمواد الحساسة التي بقي بعضها مجهول المصير حتى بعد سقوط النظام.
ومن هنا تصبح القضية أكبر من محاكمة أشخاص.
هل تستطيع سوريا الجديدة تفكيك إرث الأسد بالكامل، أم أن بعض أخطر الملفات سيبقى مدفوناً تحت طبقات من الأسرار؟
والأهم: إذا كانت المحاكم بدأت بإصدار أحكامها، والسلطات بدأت ملاحقة المطلوبين خارج الحدود، والوكالة الدولية للطاقة الذرية تستعد للتعامل مع مواد حساسة، فكم ملفاً آخر لم يظهر إلى العلن بعد؟
هذه هي المعركة التالية في سوريا:
ليس فقط من يحكم بعد الأسد، بل ماذا سيكتشف من إرثه، ومن سيُحاسب عليه، ومن سيملك مفاتيح الأسرار التي تركها وراءه.
مصادر المعلومات
- وكالة Reuters
- وكالة Associated Press
- Axios
- مركز ألما للأبحاث والتعليم

