من استعراض القوة إلى إعادة رسم قواعد الردع في الشرق الأوسط.. مواجهة تتسع حدودها فيما يواصل الطرفان تجنب الحرب الشاملة.
لم يعد التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل مجرد حلقة جديدة في سلسلة المواجهات المتبادلة بين الطرفين، بل يبدو أقرب إلى انتقال استراتيجي نحو مرحلة مختلفة من الصراع، تتراجع فيها الحروب بالوكالة لمصلحة الاشتباك المباشر، ولو ضمن حدود محسوبة حتى الآن.
فخلال السنوات الماضية نجحت طهران وتل أبيب في إدارة صراع طويل الأمد عبر ساحات متعددة، من سوريا إلى العراق ولبنان وغزة، مع الحرص على إبقاء المواجهة المباشرة ضمن سقوف تمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن قواعد الاشتباك التقليدية لم تعد كما كانت، وأن الشرق الأوسط يقف أمام واقع أمني جديد أكثر هشاشة وتعقيداً.
لماذا اختارت طهران التصعيد الآن؟
السؤال الأبرز الذي طرح نفسه بعد الضربات الصاروخية الإيرانية هو: لماذا قررت طهران رفع مستوى المواجهة في هذا التوقيت تحديداً، رغم أن إسرائيل نفذت خلال الأشهر الماضية عمليات عسكرية متكررة في لبنان وسوريا واستهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت أكثر من مرة؟
أحد التفسيرات المتداولة يرتبط بالمسار التفاوضي مع الولايات المتحدة. فإذا كانت المؤشرات المتداولة حول اقتراب تفاهم أمريكي ـ إيراني صحيحة، فإن القيادة الإيرانية قد تكون وجدت نفسها أمام ضرورة توجيه رسالة قوة قبل أي تنازلات محتملة على طاولة المفاوضات.
فمنطق الأنظمة التي تخوض مفاوضات حساسة يدفعها غالباً إلى تعزيز أوراق الضغط وإظهار قدرتها على التأثير الميداني قبل الوصول إلى التسويات.
في هذا السياق، قد تكون طهران قدّرت أن واشنطن لن تكون راغبة في توسيع المواجهة أو الرد المباشر طالما أن ذلك قد يهدد فرص التوصل إلى اتفاق سياسي أو تفاهمات مستقبلية.
لكن هذا التفسير لا يبدو كافياً وحده لفهم دوافع التصعيد.
الداخل الإيراني.. العامل الأكثر حساسية
السبب الأعمق ربما يكمن داخل إيران نفسها.
فالاقتصاد الإيراني لا يزال يعاني من آثار العقوبات والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، فيما تتزايد مؤشرات التململ الشعبي نتيجة الضغوط المعيشية المتراكمة. ورغم أن الإعلام الرسمي الإيراني يحاول تقديم صورة مستقرة عن الداخل، فإن منصات التواصل الاجتماعي تعكس صورة مختلفة تتضمن احتجاجات واعتصامات وحالة استياء متنامية.
في مثل هذه الظروف، تلجأ الأنظمة السياسية أحياناً إلى تصدير الأزمات نحو الخارج أو توظيف التهديدات الخارجية لإعادة توحيد الجبهة الداخلية خلف القيادة السياسية.
ولعل المشاهد التي بثتها وسائل الإعلام الإيرانية لمؤيدين يحتفلون بالهجوم على إسرائيل لم تكن مجرد تغطية إعلامية عادية، بل جزءاً من محاولة سياسية لإظهار وجود حاضنة شعبية داعمة للنظام في لحظة حساسة.
فكل مواجهة خارجية تمنح السلطة فرصة لإعادة صياغة النقاش الداخلي من ملفات الاقتصاد والبطالة والمعيشة إلى ملفات الأمن القومي والمواجهة مع الخصوم.
ومن هنا يمكن فهم التصعيد الإيراني باعتباره محاولة مزدوجة: تعزيز أوراق التفاوض خارجياً وإعادة ضبط المشهد الداخلي سياسياً.
إسرائيل تغيّر قواعد اللعبة
في المقابل، لم تتعامل إسرائيل مع الهجوم الإيراني باعتباره حادثاً عابراً.
فالضربات الإسرائيلية الأخيرة داخل الأراضي الإيرانية حملت رسائل تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة.
إذ استهدفت منشآت مرتبطة بتصنيع الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي، بما فيها مواقع مرتبطة بشبكات دفاع متطورة، في عملية بدت مصممة بعناية لتحقيق هدفين متوازيين: إظهار القدرة على الوصول إلى العمق الإيراني، وتجنب استهداف المنشآت النووية أو النفطية التي قد تدفع المنطقة إلى حرب مفتوحة.
الرسالة الإسرائيلية كانت واضحة: تل أبيب قادرة على ضرب أهداف استراتيجية داخل إيران متى شاءت، لكنها لا تسعى حالياً إلى إشعال مواجهة شاملة.
ومع ذلك، فإن خطورة هذه الضربات لا تكمن فقط في حجمها، بل في ما تمثله من تغيير تدريجي في طبيعة الصراع. فبعد عقود من الاعتماد على المواجهات غير المباشرة، أصبحت الأراضي الإيرانية نفسها ساحة اشتباك معلنة، وهو تطور يحمل تداعيات استراتيجية بعيدة المدى.
أزمة الردع المتبادلة
المعضلة الأساسية التي تواجه الطرفين اليوم هي أزمة الردع.
إيران لا تستطيع تجاهل الضربات الإسرائيلية خشية أن يُفسر ذلك كضعف استراتيجي، خصوصاً بعد الضربات التي تعرض لها حلفاؤها الإقليميون خلال الأشهر الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، لا تستطيع القيادة الإيرانية تحمل تكلفة حرب واسعة قد تضع البلاد في مواجهة مباشرة مع إسرائيل وربما الولايات المتحدة، وهو سيناريو قد يقوض أي فرص لتحسين الوضع الاقتصادي أو تخفيف العقوبات.
أما إسرائيل، فهي الأخرى ليست في موقع يسمح لها بخوض حرب طويلة مع إيران. فالحرب المستمرة في غزة والعمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية تستنزف جزءاً مهماً من قدراتها العسكرية والسياسية، ما يجعل خيار المواجهة الشاملة محفوفاً بالمخاطر.
لذلك يبدو أن الطرفين يتحركان حالياً داخل منطقة رمادية دقيقة: تصعيد يكفي لحفظ الهيبة والردع، لكنه لا يصل إلى مستوى الحرب الكبرى.
الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة
المشكلة أن إدارة هذا النوع من الصراعات تصبح أكثر تعقيداً كلما اقترب الخصمان من المواجهة المباشرة.
ففي الحروب غير المباشرة كانت هناك مساحات واسعة للمناورة والإنكار السياسي. أما اليوم، فإن أي خطأ في الحسابات أو سوء تقدير ميداني قد يدفع الأحداث إلى مسار لا يرغب فيه أي من الطرفين.
لهذا السبب لا تكمن خطورة التطورات الأخيرة في حجم الخسائر العسكرية فقط، بل في التحول البنيوي الذي تشهده المنطقة.
فالمواجهة الإيرانية الإسرائيلية لم تعد محكومة بالكامل بقواعد "حرب الظل"، بل دخلت مرحلة جديدة يصبح فيها الاشتباك المباشر أكثر حضوراً وأكثر احتمالاً.
حتى الآن تبدو كل الأطراف حريصة على تجنب الانفجار الكبير، لكن التاريخ السياسي للشرق الأوسط يثبت أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرارات متعمدة، بل كثيراً ما تنطلق من سلسلة حسابات خاطئة وتقديرات متضاربة.
ومن هنا، فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس ما حدث بالفعل، بل ما يمكن أن يحدث إذا فقدت الأطراف القدرة على ضبط حدود التصعيد. عندها لن تكون المنطقة أمام جولة جديدة من التوتر فحسب، بل أمام حقبة مختلفة كلياً من الصراع الإقليمي.
