لم يعد التهديد يقتصر على إغلاق مضيق هرمز أو استهداف السفن في البحر الأحمر، بل باتت المنطقة أمام مشهد جديد تتداخل فيه الحروب البحرية مع الصراع على الطاقة، في وقت بدأت فيه ناقلات النفط تغيّر مساراتها بالفعل، وأصبحت قرارات الإبحار تُتخذ وفق حسابات عسكرية قبل أن تكون تجارية.
فهل دخلت المنطقة فعلاً مرحلة "حرب المضائق"؟ وهل تتحول الممرات البحرية إلى سلاح اقتصادي يعيد تشكيل أسواق الطاقة العالمية؟
ناقلات سعودية تعود أدراجها بعد تهديدات الحوثيين
كشفت بيانات رصد لحركة الملاحة البحرية عن استدارة 9 سفن، بينها 7 ناقلات نفط غادرت موانئ سعودية وكانت في طريقها لعبور مضيق باب المندب، قبل أن تعود عقب إعلان جماعة الحوثي فرض حظر بحري يستهدف السعودية.
وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين أنهم أجبروا ست سفن على العودة، محذرين من استهداف أي سفينة لا تلتزم بالحظر الذي أعلنته الجماعة.
وتشير بيانات منصة كبلر إلى أن الناقلات السبع كانت تحمل مجتمعة نحو 6 ملايين برميل من النفط، بينها أكثر من 215 ألف برميل من النفط السعودي، فيما كانت الناقلتان NEW EXPLORER وXIN LONG YANG وحدهما تنقلان أكثر من 4 ملايين برميل، وتعملان لصالح شركات مقرها الصين وترفعان علمي هونغ كونغ وسنغافورة.
ولم يقتصر التراجع على ناقلات النفط، إذ عادت أيضاً سفينة نقل السيارات UGR AL SAMHA وسفينة البضائع السائبة MARIAM، بعدما اقتربت الأولى لمسافة لا تتجاوز 155 ميلاً بحرياً من باب المندب قبل أن تغيّر اتجاهها.
لماذا يمثل باب المندب شرياناً حيوياً للنفط السعودي؟
خلال الأشهر الماضية أصبح ميناء ينبع السعودي منفذاً رئيسياً لصادرات النفط، بعدما تجاوزت تدفقات الخام والمنتجات النفطية عبر باب المندب 4 ملايين برميل يومياً خلال يونيو الماضي، وهو أعلى مستوى مسجل، بحسب بيانات "كبلر".
كما صدّرت السعودية منذ أبريل نحو 4.5 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والوقود عبر ينبع، ذهب نحو 70% منها إلى الأسواق الآسيوية.
لكن أي تعطيل لهذا المسار يعني أن الناقلات قد تضطر للالتفاف عبر قناة السويس ثم البحر المتوسط ورأس الرجاء الصالح، وهو طريق قد يضيف ما يصل إلى أربعة أسابيع إلى زمن الرحلة، مع ارتفاع كبير في تكاليف الوقود والشحن والتأمين.
وهنا يبرز سؤال مهم:
إذا أصبحت كلفة النقل أعلى ومدة الوصول أطول... فمن سيدفع الثمن في النهاية؟ شركات الطاقة أم المستهلك العالمي؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أسعار النفط تقفز مع تصاعد الحرب.. هل يتجاوز برنت 120 دولارًا؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
عبور السفن مستمر... لكن ناقلات النفط اختارت الانسحاب
رغم تراجع ناقلات النفط، أظهرت بيانات الملاحة استمرار عبور سفن الحاويات والبضائع العامة وسفن نقل الماشية عبر باب المندب دون أن تتعرض للاستهداف.
كما رصدت منصة MarineTraffic عبور عشر سفن بين الموانئ السعودية وباب المندب بصورة اعتيادية، تديرها شركات من تركيا والإمارات والهند والصين ولبنان وسوريا.
ويشير هذا التباين إلى أن التهديد الحوثي ركّز عملياً على ناقلات النفط، في حين استمرت بقية السفن في العبور.
تقلع طائرة مقاتلة من طراز إف-16 تابعة للقوات الجوية الأمريكية من قاعدة في منطقة الشرق الأوسط، بينما تظل القوات الأمريكية في حالة يقظة. pic.twitter.com/nox3RvYrW0
— U.S. Central Command - Arabic (@CENTCOMArabic) July 23, 2026
واشنطن تشدد الرقابة البحرية على إيران
في المقابل، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن قواتها البحرية أعادت توجيه 9 سفن تجارية وعطلت سفينة واحدة حتى 22 يوليو، ضمن الإجراءات المرتبطة بالحصار البحري المفروض على إيران.
وأكدت أن المدمرة الأمريكية USS Michael Murphy تواصل مراقبة العمليات في بحر العرب، بالتزامن مع استمرار الضربات العسكرية الأمريكية ضد أهداف إيرانية.
ويأتي ذلك بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف منشآت مدنية إيرانية إذا استهدفت طهران أي سفينة تعبر مضيق هرمز، مؤكداً أن واشنطن سترد بضرب البنية التحتية الإيرانية في حال تعرض الملاحة للخطر.
وفي الوقت نفسه، أعلنت "سنتكوم" تنفيذ ضربات لليلة الحادية عشرة استهدفت مراكز عمليات ومنشآت بحرية ومستودعات للطائرات المسيّرة وبنى لوجستية، بهدف تقليص قدرة إيران على تهديد الملاحة في هرمز.
اتهامات متبادلة واتساع رقعة المواجهة
سياسياً، اتهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إيران بالتنصل من الاتفاقيات، مؤكداً أن طهران تدفع ثمن خرقها المستمر للتفاهمات.
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف معدات عسكرية أمريكية في الأردن والكويت، بينها منظومات THAAD وباتريوت وC-RAM، إضافة إلى مواقع لوجستية وقواعد تستخدمها القوات الأمريكية.
كما أعلن الجيش الإيراني استهداف مواقع في معسكر الدوحة وقاعدة علي السالم وقاعدة عريفجان في الكويت بواسطة طائرات مسيّرة.
الأردن يعلن اعتراض الصواريخ والمسيّرات
من جانبه، أكد الجيش الأردني اعتراض أربعة صواريخ وست طائرات مسيّرة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، موضحاً أن ثلاثة صواريخ أسقطت جواً، بينما سقط الرابع في منطقة خالية، دون تسجيل أي إصابات أو أضرار مادية.
وأشار إلى أن القوات المسلحة الأردنية تواصل رفع جاهزيتها العملياتية، داعياً المواطنين إلى عدم الاقتراب من مواقع سقوط الحطام والاعتماد على المصادر الرسمية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
هجمات إيران تطال محطات المياه والكهرباء.. والكويت تتوعد بالرد
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
استهداف سفينة سعودية في البحر الأحمر
وفي تطور ميداني جديد، أعلنت السلطات السعودية تعرض السفينة ENCELIA التابعة لإحدى الشركات السعودية لهجوم في البحر الأحمر، أدى إلى اندلاع حريق في مقدمتها دون وقوع إصابات بين أفراد الطاقم.
وكان الحوثيون أعلنوا استهداف ناقلتي النفط إنسيليا وليلى بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ضمن ما وصفوه بالحظر البحري المفروض على السعودية.
بدورها، أفادت مجموعة "فانغارد" البريطانية بأن الناقلة "إنسيليا" أصيبت بمقذوف قرب السواحل السعودية جنوب غربي مدينة الشقيق.
وفي تعليق لافت، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الحوثيين "استُدرجوا" إلى هذا التصعيد من قبل إيران، معتبراً أن طهران دفعتهم إلى الانخراط في مواجهة أوسع عبر استهداف الملاحة السعودية.
هل أصبحت المضائق ورقة الضغط الأكبر في الشرق الأوسط؟
ما يحدث اليوم لا يتعلق بسفن تغير مسارها فحسب، بل بإعادة رسم خريطة أمن الطاقة العالمية.
فإغلاق باب المندب يهدد البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز، بينما يجعل استمرار التوتر في هرمز العالم أمام احتمال تعطّل أهم ممرين لنقل النفط في وقت واحد.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
إذا أصبحت الملاحة في باب المندب وهرمز رهينة للتصعيد العسكري، فهل يقتصر تأثير ذلك على الشرق الأوسط، أم أن العالم بأسره سيدفع ثمن حرب المضائق؟
محور الحدث
منصة إخبارية عربية متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات وتقارير معمقة تساعد القارئ على فهم ما وراء الخبر وأبعاده الإقليمية والدولية.
