في خضم المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطًا:
هل نجحت إيران في جعل الحرب أكثر كلفة وتعقيدًا على دونالد ترامب، أم أن ترامب هو الذي وضع إيران أمام أزمة لم تكن مستعدة لها وكشف حقيقتها؟
الإجابة قد تبدو مختلفة بحسب زاوية النظر.
فطهران تستطيع القول إنها صعّبت مهمة الرئيس الأمريكي، واستنزفته سياسيًا، وربما جعلت المواجهة عبئًا يمكن أن يرتد على حساباته الداخلية والانتخابية.
لكن ماذا لو أخرجنا ترامب من المعادلة بالكامل؟
ماذا لو انتهت ولايته، وجاء رئيس أمريكي آخر، يختار التفاوض بدل الحرب؟
هل يا ترى سوف تنتهي المشكلة الإيرانية، بانتهاء ترامب؟
وهل سوف يختفي البرنامج النووي الإيراني؟
وهل ستتوقف القدرات الصاروخية؟
وهل سينتهي دور الحرس الثوري؟
وهل ستتفكك الأذرع الإيرانية في المنطقة؟
وهل سيصبح مضيق هرمز وباب المندب خارج حسابات طهران؟
بالطبع لا.
وهنا تحديدًا تكمن النقطة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج المواجهة الحالية:
ترامب ليس هو أمريكا، وإيران ليست مشكلة مرتبطة بشخص الرئيس الأمريكي.
المشكلة أكبر من ترامب
يمكن لرئيس أمريكي أن يختار الحرب، ويمكن لرئيس آخر أن يختار التفاوض، فيما قد يختار رئيس ثالث، سياسة تقوم على الاحتواء والعقوبات والضغط غير المباشر.
وقد شهدت الولايات المتحدة بالفعل اختلافًا واضحًا في مقاربات الإدارات المتعاقبة تجاه إيران، لكن تغير الأدوات لم يلغِ أصل المشكلة.
ولهذا فإن اختزال المواجهة الحالية في شخصية ترامب، يضعف قراءة المشهد بدل أن يفسره.
فترامب قد يكون غيّر طريقة التعامل مع إيران، وقد يكون رفع سقف المواجهة، لكنه لم يصنع المشكلة الإيرانية من الأساس، كما أن رحيله لن يؤدي تلقائيًا إلى اختفائها.
بل إن ما جرى خلال هذه المرحلة كشف جانبًا من طبيعة الصراع بصورة أكثر وضوحًا أمام العالم.
فالقضية، في جوهرها، ليست فقط ملفًا نوويًا، ولا مجرد خلاف حول الصواريخ الباليستية، ولا حتى مواجهة بين دولتين حول برنامج عسكري محدد.
القضية الأوسع هي: أي نوع من الدول تريد إيران أن تكون؟
وهذا هو السؤال،
القوة الإيرانية.. أين تنتهي حدود الدولة ويبدأ النفوذ؟
لا توجد مشكلة في أن تكون إيران دولة قوية.
وجود دولة إيرانية قوية اقتصاديًا وعسكريًا وعلميًا ليس بالضرورة خطرًا على المنطقة، بالعكس.
فالمشكلة تبدأ عندما تتحول القوة الوطنية إلى مشروع نفوذ عابر للحدود، وعندما تصبح قدرات الدولة وسيلة لبناء أذرع مسلحة وتوسيع دائرة التأثير داخل دول أخرى.
هنا يصبح النقاش مختلفًا تمامًا.
إيران لم تكتفِ ببناء قدراتها داخل حدودها، وإنما طورت شبكة واسعة من النفوذ الإقليمي، بالتوازي مع امتلاكها قدرات يمكن أن تؤثر في أمن المنطقة وفي حركة التجارة والطاقة عالميًا.
ومضيق هرمز مثال واضح على ذلك.
فهذا الممر البحري ليس مجرد نقطة جغرافية إيرانية، بل شريان حيوي للاقتصاد العالمي، وأي تهديد لحركته لا يبقى شأنًا إيرانيًا-خليجيًا محدودًا، وإنما يتحول سريعًا إلى قضية دولية.
والأمر نفسه ينطبق على باب المندب والبحر الأحمر، حيث يمكن لأي طرف يمتلك القدرة على التأثير في حركة الملاحة أن يحوّل الجغرافيا إلى أداة ضغط تتجاوز حدود المنطقة.
من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تمتلك إيران القوة؟
بل: كيف تستخدم إيران هذه القوة؟
ما الذي كشفته المواجهة الأخيرة؟
منذ بداية المواجهات العسكرية، حدث شيء ربما يكون أهم من نتائج الضربات نفسها: تغيرت طريقة نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العربي إلى طبيعة الصراع مع إيران.
فلسنوات طويلة، ظل جزء من النقاش العربي يقوم على فكرة أن التفاوض والاحتواء يمكن أن يكونا الطريق الأفضل لتجنب مواجهة مفتوحة مع طهران.
لكن التطورات الأخيرة أعادت طرح سؤال أكثر صعوبة:
إذا كان حتى مسار التفاوض والاحتواء عرضة للانهيار، فما البديل؟
وهنا لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى الحرب، بل على العكس تمامًا.
فالحد من النفوذ الإيراني لا يعني بالضرورة الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة. هناك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية وأمنية عديدة يمكن استخدامها للضغط، وتقليل قدرة أي دولة على تحويل نفوذها الإقليمي إلى وسيلة لتهديد الآخرين.
المشكلة أن الدول العربية كثيرًا ما تعاملت مع الملف الإيراني باعتباره قضية أمريكية أكثر مما تعاملت معه باعتباره قضية أمن قومي عربية.
وهذه ربما تكون إحدى أهم الخلاصات التي يجب الخروج بها من المرحلة الحالية.
لا تنتظروا ترامب
ربما يكون أكبر خطأ استراتيجي أن تنظر الدول العربية إلى إيران من خلال سؤال واحد: ماذا سيفعل ترامب؟
السؤال الأصح هو: ماذا سنفعل نحن؟
ترامب قد يختار التصعيد، وقد يختار التفاوض، وقد يأتي بعده رئيس أمريكي يغير السياسة مرة أخرى.
لكن إيران ستبقى في موقعها الجغرافي، وستبقى قدراتها، وستبقى مصالحها، وستبقى حساباتها الإقليمية.
لذلك لا يمكن أن يكون الأمن العربي رهينة للتقلبات السياسية في واشنطن.
وإذا كانت الدول العربية ترى أن التمدد الإيراني يمثل تهديدًا لمصالحها، فعليها أن تطور أدواتها الخاصة للتعامل معه، بدل انتظار أن تتولى الولايات المتحدة هذه المهمة نيابة عنها في كل مرة.
والأدوات هنا ليست بالضرورة عسكرية.
يمكن أن تكون اقتصادية وتجارية ودبلوماسية، ويمكن أن تقوم على إعادة تنظيم العلاقات والقيود وشروط التعامل، واستهداف شبكات النفوذ والتمويل، وتعزيز التنسيق العربي، ورفع كلفة أي سلوك يهدد أمن المنطقة.
الفكرة ببساطة: إذا كان هناك من ينبغي تغيير سلوكه، فلا يجب أن تكون الحرب هي الخيار الوحيد المتاح لإقناعه بذلك.
لكن ماذا عن القواعد الأجنبية؟
هنا تبرز مفارقة تستحق النقاش.
لطالما انتقدت إيران وجود قواعد وقوات أمريكية في منطقة الخليج، وربطت ذلك بما تعتبره تهديدًا لأمنها.
لكن إذا كانت طهران ترى في الوجود العسكري الأجنبي تهديدًا لأمنها القومي، فكيف تنظر إلى علاقاتها العسكرية والتقنية مع قوى خارجية أخرى؟
فإيران استفادت على مدى عقود من التعاون مع روسيا، كما استفادت من تقنيات وخبرات صينية وكورية شمالية في مجالات مختلفة مرتبطة بقدراتها العسكرية والصاروخية.
وهنا يصبح من المشروع طرح سؤال مبدئي:
هل المشكلة في مبدأ الاستعانة بالقوى الخارجية، أم في هوية القوة الخارجية؟
إذا كانت القواعد والخبرات الأجنبية تهديدًا عندما تكون أمريكية، فلماذا تصبح أقل خطورة عندما تأتي من روسيا أو الصين أو غيرهما؟
هذه ليست مسألة تفصيلية.
لأن الأمن القومي لا يمكن أن يقوم على قاعدة: ما هو حرام على الآخرين يصبح حلالًا عندما نفعله نحن.
وإذا كانت طهران تطلب من دول المنطقة أن تنظر إلى وجود القوى الأجنبية باعتباره تهديدًا، فمن حق دول المنطقة أيضًا أن تسأل عن طبيعة التعاون العسكري والتقني الذي تقوم به إيران مع القوى الخارجية، ومدى تأثيره في ميزان الأمن الإقليمي.
ومن يستهدف من؟
هناك سؤال آخر أكثر حساسية.
إذا كانت إيران تقول إن وجود القوات والقواعد الأمريكية في الخليج هو أحد أسباب مواجهتها للمنطقة، فمن الطبيعي أن يُطرح سؤال عن طبيعة الأهداف التي تستهدفها العمليات الإيرانية فعلًا.
هل تستهدف تلك العمليات الوجود العسكري الأمريكي بصورة مباشرة؟
أم أن جزءًا كبيرًا من تداعياتها ينعكس على الدول العربية واقتصاداتها وممراتها البحرية وأمنها؟
هذا السؤال مهم لأن الدول العربية لا يمكن أن تقبل أن تتحول إلى ساحة جانبية لصراع إيراني-أمريكي.
فإذا كان الخلاف بين طهران وواشنطن، فلا ينبغي أن تكون المنشآت الاقتصادية العربية، والممرات البحرية العربية، وأمن المدن العربية، هي الحلقة الأضعف في هذا الصراع.
وهنا تحديدًا يجب أن تتغير طريقة التفكير العربية.
ترامب قد يكون جزءًا من المشكلة أو جزءًا من الحل، لكنه ليس المشكلة كلها.
أما الدول العربية، فربما آن الأوان لأن تتوقف عن انتظار الإجابة من البيت الأبيض.
إيران ستبقى جارًا إقليميًا مهمًا، ومن مصلحة الجميع أن تكون دولة قوية ومستقرة وقادرة على حماية مصالحها.
لكن القوة شيء، وتحويل هذه القوة إلى مشروع للتمدد والتدخل والتهديد شيء آخر.
والفارق بين الاثنين هو بالضبط ما يجب أن تدركه المنطقة.
لأن السؤال في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: ماذا سيفعل ترامب بإيران؟
بل سيكون:
ماذا ستفعل الدول العربية لحماية أمنها، إذا قررت إيران أن تستمر في مشروعها؟
وهنا يبدأ التفكير في «ما وراء الحدث».

