لم تعد الحروب تؤثر في سوق النفط من خلال الأسعار فقط، بل بدأت تعيد توزيع الأرباح والنفوذ داخل صناعة الطاقة العالمية.
ففي الوقت الذي يدفع فيه المستهلكون أسعارًا أعلى للوقود، ويواجه الاقتصاد العالمي مخاطر التضخم ونقص الإمدادات، تحقق شركات النفط الكبرى والمصافي في الولايات المتحدة والهند مكاسب استثنائية، بينما تستعيد أفريقيا جاذبيتها كمصدر بديل للطاقة.
والعامل المشترك بين هذه التحولات هو اضطراب الإمدادات العالمية، خصوصًا مع تداعيات حرب إيران وأزمة مضيق هرمز، بالتزامن مع استمرار تأثير الحرب الروسية-الأوكرانية في تجارة الطاقة.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: إذا كانت الحرب ترفع تكلفة الطاقة على العالم، فمن الذي يحصد الجانب الأكبر من الأرباح؟
93 مليار دولار تكشف حجم التحول
خلال ثلاثة أشهر فقط، حققت ثماني شركات نفط كبرى نحو 93 مليار دولار من الأرباح الإجمالية، وفق تقرير «أويل برايس»، لتقترب من ضعف أرباحها في الفترة نفسها من عام 2025.
وضمت القائمة أرامكو، و«بي بي»، و«شل»، و«إكوينور»، و«توتال إنيرجيز»، و«إيني»، و«شيفرون»، و«إكسون موبيل».
وجاء هذا الأداء في أعقاب الارتفاع الحاد في أسعار النفط والاضطرابات التي أصابت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، في أزمة وصفتها وكالة الطاقة الدولية بأنها أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المشهد:
كلما أصبحت الإمدادات أكثر هشاشة، ارتفعت قيمة البرميل المتاح، وكلما ارتفعت الأسعار وهوامش التكرير، اتسعت مساحة الأرباح.
فهل أصبح اضطراب الطاقة نفسه مصدرًا للقيمة بالنسبة إلى شركات النفط؟
المصافي الأميركية والهندية تدخل دائرة المستفيدين
لم تقتصر الاستفادة على شركات إنتاج النفط الخام.
فالحرب واضطرابات الشحن دفعت الدول المستوردة إلى البحث عن مصادر بديلة للوقود، ما منح المصافي التي تستطيع زيادة الإنتاج والتصدير فرصة استثنائية.
وتبرز الهند والولايات المتحدة في مقدمة المستفيدين.
وبحسب بيانات نقلتها «رويترز»، صدرت المصافي الأميركية من الوقود المقطر، بما يشمل الديزل وزيت التدفئة، 1.9 مليون برميل يوميًا خلال الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس، وهو مستوى قياسي.
كما بلغت صادرات وقود الطائرات 443 ألف برميل يوميًا، مقتربة من المستوى القياسي البالغ 455 ألف برميل يوميًا المسجل في مايو.
أما الهند، فتواصل مصافيها الموجهة للتصدير، ومن بينها «ريلاينس» و«نايارا»، العمل بمعدلات مرتفعة للاستجابة لنقص الإمدادات في الأسواق الآسيوية.
وتشير نائبة رئيس «ريستاد إنرجي» لين يي إلى أن الهند ستواصل أداء دور «المورد المتأرجح» في آسيا عندما تشهد الأسواق نقصًا في الإمدادات.
وهنا تتغير خريطة القوة في سوق الوقود:
لم تعد الدولة التي تمتلك النفط الخام فقط هي الرابح؛ بل الدولة التي تستطيع تكريره ونقله إلى السوق التي تحتاجه في اللحظة المناسبة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
مخزونات النفط تتآكل.. والخليج يستعد لمرحلة ما بعد الصدمة
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الطلب لا يتراجع رغم ارتفاع الأسعار
قد يبدو ارتفاع الأسعار كافيًا لتقليص الطلب، لكن البيانات القادمة من آسيا والولايات المتحدة تقدم صورة أكثر تعقيدًا.
فإندونيسيا، أكبر مشترٍ للبنزين في آسيا، رفعت مشترياتها في أغسطس إلى نحو 11-12 مليون برميل، مقارنة بـ9-10 ملايين برميل في يوليو، وفق متعامل مقره سنغافورة.
وتقدر «ريستاد» متوسط الطلب الإندونيسي بنحو 636 ألف برميل يوميًا في الربع الثالث و641 ألف برميل يوميًا في الربع الرابع، مقابل متوسط سنوي بلغ 631 ألف برميل يوميًا في 2025.
وفي الولايات المتحدة، اقترب الطلب على البنزين من 9 ملايين برميل يوميًا، بينما وصل استهلاك وقود الطائرات إلى نحو مليوني برميل يوميًا، مقارنة بـ1.6 مليون برميل في الفترة نفسها من العام الماضي.
وهنا تظهر مشكلة جديدة أمام السوق:
ماذا يحدث عندما تتعرض الإمدادات لصدمة في الوقت الذي يظل فيه الطلب قويًا؟
النتيجة الطبيعية هي ارتفاع قيمة كل برميل متاح، واشتداد المنافسة بين المشترين، واتساع هوامش التكرير.
العالم ينتج وقودًا أقل مما يستهلك
تكشف الأرقام فجوة أكثر إثارة للقلق.
فإنتاج المصافي عالميًا تراجع في يوليو إلى نحو 89 مليون برميل يوميًا، بانخفاض قدره 5 ملايين برميل يوميًا عن العام الماضي، بينما يتجاوز الطلب العالمي على النفط 100 مليون برميل يوميًا.
هذه الفجوة لا تعني بالضرورة نقصًا مباشرًا في كل الأسواق، لكنها تكشف هشاشة منظومة الإمدادات أمام أي اضطراب إضافي.
وفي آسيا، تتوقع «وود ماكنزي» بقاء مخزونات البنزين دون متوسط السنوات الخمس خلال بقية 2026، عند نحو 197 مليون برميل، مقارنة بـ207 ملايين برميل خلال النصف الأول من العام.
وفي الولايات المتحدة، بلغ مخزون البنزين 208.7 مليون برميل في 7 أغسطس، أي أقل بنحو 6% من متوسط السنوات الخمس لهذا الموسم.
بمعنى آخر، السوق لا يملك رفاهية تجاهل أي صدمة جديدة.
الصين تعود إلى المنافسة
وفي الوقت الذي تتقدم فيه الهند والولايات المتحدة في سوق تصدير الوقود، بدأت الصين تستعيد جزءًا من حضورها.
فقد خففت بكين قيود صادرات الوقود اعتبارًا من يوليو، لترتفع صادراتها إلى 1.1 مليون طن، أو نحو 9.295 مليون برميل، مقارنة بـ240.860 طنًا في يونيو، وفق مذكرة بحثية من مجموعة بورصات لندن.
وهذا قد يخلق منافسة جديدة على الأسواق الآسيوية.
لكن قدرة المصافي الأميركية والهندية والصينية على تعويض أي نقص ليست مفتوحة بلا حدود، لأن هذه الدول نفسها تواجه طلبًا محليًا قويًا.
وهنا تكمن المفارقة: الدولة التي تملك فائضًا للتصدير اليوم قد تحتاجه غدًا لتغطية سوقها المحلية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
فساد النفط العراقي.. اتهامات بهدر وسرقات تتجاوز 35 مليار دولار
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
أفريقيا تدخل لعبة الطاقة من الباب الواسع
التحول لا يتوقف عند الولايات المتحدة وآسيا.
فأزمة مضيق هرمز أعادت النظر في جغرافيا الإمدادات، وجعلت الدول المنتجة على المحيط الأطلسي أكثر جاذبية بالنسبة إلى شركات النفط العالمية.
وتقول «جون أفريك» إن الاضطرابات ساهمت في إعادة رسم خريطة الفرص الاستثمارية في قطاع الطاقة الأفريقي، خصوصًا أن دول حوض المحيط الأطلسي تتمتع بميزة جغرافية تتمثل في الوصول المباشر إلى أوروبا، وإلى الولايات المتحدة بدرجة أقل.
ومن المغرب إلى ناميبيا، مرورًا بأنغولا ونيجيريا وساحل العاج وغامبيا وغانا وسيراليون وليبيريا وغينيا، مُنحت تراخيص جديدة لشركات نفط كبرى وشركات مستقلة.
لماذا الآن؟
لأن أزمة هرمز أثبتت للشركات أن امتلاك إنتاج موزع جغرافيًا قد يكون أكثر قيمة من الاعتماد على منطقة واحدة، مهما كانت إنتاجيتها.
ليبيا تعود إلى الحسابات
وتبرز ليبيا في هذا التحول.
فبعد أن فقدت «توتال إنيرجيز» جزءًا من إنتاجها في الشرق الأوسط، اعتمدت الشركة على بعض أصولها الأفريقية، وعلى رأسها مشروع حقل المبروك النفطي في ليبيا.
أما «إيني»، فقد عززت وجودها في الجزائر والكونغو، إلى جانب أسواق أخرى تزداد أهميتها، مثل ساحل العاج وموزمبيق.
وبالتوازي، استعادت الشركة الإيطالية اهتمامها بتجارة النفط، بعد سبع سنوات من التخلي عن هذا النشاط، من خلال اتفاق مع شركة «ميركوريا» السويسرية لإنشاء هيكل مستقل لتسويق وتجارة النفط والوقود الحيوي والغاز والغاز الطبيعي المسال.
وهذا التحرك يكشف أن شركات الطاقة لا تتعامل مع الأزمة الحالية باعتبارها مشكلة إنتاج فقط.
إنها تعيد بناء سلسلة القيمة بأكملها: إنتاج، تكرير، تجارة، نقل، وتوزيع.
أرباح الشركات تصطدم بغضب المستهلكين
لكن ارتفاع الأرباح لا يمر سياسيًا من دون تكلفة.
فبينما تستفيد شركات الطاقة من ارتفاع الأسعار وهوامش التكرير، يدفع المستهلكون فاتورة الوقود المرتفعة.
وفي الولايات المتحدة، بلغ متوسط سعر الديزل 5.47 دولار للغالون، بزيادة تقارب 50% عن العام السابق.
كما ارتفعت هوامش الديزل الأميركية إلى مستوى قياسي تجاوز 102 دولار للبرميل، وفق البيانات الواردة في المصادر، بعد هجمات جديدة على مصافٍ في الشرق الأوسط وروسيا.
وفي المقابل، تضغط إدارة الرئيس دونالد ترامب على شركات التكرير لخفض أسعار البنزين المحلية، خصوصًا مع تحول أسعار الوقود إلى قضية سياسية حساسة.
وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية متوسط سعر للبنزين بالتجزئة يبلغ 2.91 دولار للغالون في 2026، بزيادة نحو 6% عن توقعاتها السابقة، لكنه أقل بكثير من متوسط السعر الحالي الذي يتجاوز 4 دولارات.
المشكلة أن المصافي مطالبة الآن بتحقيق معادلة صعبة:
هل تصدر الوقود حيث تحقق هوامش ربح أعلى، أم تخفض صادراتها لحماية المستهلك المحلي؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
النفط تحت الحصار.. باب المندب وهرمز يشعلان أخطر مواجهة بحرية
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
أوروبا تريد أخذ جزء من الأرباح
في أوروبا، اتخذ الجدل منحى أكثر مباشرة.
فألمانيا تقود تحركًا أوروبيًا لفرض ضريبة على ما تسميه الأرباح الاستثنائية لشركات النفط، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتزايد أعباء المعيشة.
ووجه وزراء مالية ألمانيا والبرتغال وإسبانيا والنمسا وإيطاليا وبولندا رسالة تدعو إلى تحرك مشترك، معتبرين أن الإجراءات الحكومية القائمة لم تكن كافية لخفض الأسعار أو تحقيق استقرار دائم.
وكانت الرسالة واضحة في جوهرها:
إذا كانت شركات النفط تحقق أرباحًا استثنائية بسبب الأزمة، فعليها أن تساهم في تخفيف أعبائها عن السكان.
لكن تطبيق مثل هذه الضريبة يفتح معركة أخرى.
هل تؤدي الضرائب على الأرباح الاستثنائية إلى إعادة توزيع عادل لعوائد الأزمة، أم تدفع الشركات إلى تقليص الاستثمارات والإنتاج في وقت يحتاج فيه العالم إلى مزيد من الإمدادات؟
النفط يعيد اكتشاف قوته الجيوسياسية
ما تكشفه هذه التطورات يتجاوز الأرقام الفصلية للشركات.
فالحروب أعادت التأكيد على حقيقة كان كثيرون يعتقدون أن العالم بدأ يتجاوزها: النفط والغاز لا يزالان في قلب الأمن الاقتصادي العالمي.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات عن التحول إلى الطاقة النظيفة، أظهرت أزمة هرمز استعداد الدول لدفع مبالغ ضخمة لتأمين النفط والغاز.
والأهم أن شركات النفط الكبرى نفسها، رغم التزاماتها تجاه الطاقة المتجددة، تبدو مستعدة لتعزيز نشاطها في المحروقات، خصوصًا في المناطق التي توفر إنتاجًا منخفض التكلفة وتنويعًا جغرافيًا.
وهذا ما يفسر عودة أفريقيا إلى دائرة الاهتمام.
فهل كانت أزمة هرمز مجرد صدمة مؤقتة، أم أنها ستترك أثرًا دائمًا على خريطة الاستثمار النفطي؟
من يدفع ثمن الحرب ومن يحصد أرباحها؟
في النهاية، تكشف أرقام الأرباح قصة أكبر من مجرد صعود أسعار النفط.
93 مليار دولار لأكبر ثماني شركات في ثلاثة أشهر.
1.9 مليون برميل يوميًا صادرات وقود مقطر أميركية في أسبوع واحد.
443 ألف برميل يوميًا من صادرات وقود الطائرات الأميركية.
89 مليون برميل يوميًا إنتاج عالمي للمصافي، مقابل طلب يتجاوز 100 مليون برميل يوميًا.
وفي المقابل، مخزونات أقل من المعتاد، وأسعار وقود أعلى، وضغوط سياسية متزايدة على الحكومات.
وهنا السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا:
إذا كانت الحروب تعيد توزيع الثروة داخل سوق الطاقة، فهل العالم أمام دورة أرباح جديدة لشركات النفط، أم أمام أزمة أعمق ستجبر الحكومات على إعادة رسم قواعد السوق؟
والسؤال الأكثر أهمية:
عندما تنتهي الحروب وتعود حركة التجارة إلى طبيعتها، هل تبقى الاستثمارات التي بدأت اليوم في أفريقيا والمصافي والتجارة النفطية، أم أن الشركات ستعود إلى خريطة الطاقة القديمة؟
ما يحدث الآن قد لا يكون مجرد طفرة أسعار.
قد يكون إعادة رسم لخريطة النفط العالمية.
محور الحدث
منصة عربية مستقلة متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات معمقة للأحداث الإقليمية والدولية.
