روسيا تريد العودة للمفاوضات.. ماذا حصل خلف الكواليس بين ترامب وبوتين؟

 بعد أشهر من الجمود، عادت موسكو لتستخدم لغة أكثر انفتاحًا تجاه استئناف المفاوضات بشأن الحرب في أوكرانيا. الكرملين أعلن الأربعاء أن هناك «إرادة سياسية مؤكدة» لاستئناف المحادثات، مؤكدًا في الوقت نفسه استمرار الاتصالات مع واشنطن.

التصريح الروسي جاء بعد أيام قليلة من تحرك دبلوماسي أميركي مكثف شمل موسكو وكييف، وبعد اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. لكن اللافت أن موسكو لم تعلن عن اتفاق جديد، ولم تتخلَّ عن مطالبها الأساسية.

خيط ضوء أو مسار دبلوماسي يربط موسكو وواشنطن وكييف

فهل نحن أمام تحول حقيقي في موقف بوتين؟ أم أن ما يجري هو محاولة لإعادة فتح قناة تفاوضية تستطيع موسكو من خلالها تحسين شروطها السياسية والعسكرية؟

موسكو تغيّر لهجتها

تصريح المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف هو التطور الأبرز في المشهد الدبلوماسي اليوم.

فموسكو تقول إنها تأمل باستئناف المفاوضات الأميركية-الوساطة مع أوكرانيا «في المستقبل المنظور»، وإن الاتصالات مع الجانب الأميركي مستمرة. والأهم أن الكرملين تحدث عن وجود إرادة سياسية مؤكدة للعودة إلى المحادثات، من دون الدخول في تفاصيل أي تسوية محتملة.

هذه اللهجة تختلف عن مرحلة الجمود التي أعقبت آخر جولات التفاوض. لكنها لا تعني أن روسيا قدمت تنازلات.

بل على العكس، فإن بيسكوف تجنب الحديث عن شروط التسوية، بينما لا تزال الفجوة بين موسكو وكييف واسعة جدًا، خصوصًا بشأن الأراضي التي تطالب روسيا بالسيطرة عليها وترفض أوكرانيا التنازل عنها.

وهنا تكمن أهمية التصريح الروسي: موسكو فتحت الباب من جديد، لكنها لم تحدد بعد ما الذي ستضعه على الطاولة.

ماذا حدث في الأيام الأخيرة؟

خلف التصريح الروسي تحرك أميركي غير اعتيادي.

ففي نهاية الأسبوع، توجه المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر إلى موسكو، حيث التقيا بوتين في اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات، قبل أن ينتقلا إلى كييف للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

الزيارة حملت معها مقترحات أميركية لإعادة إطلاق المسار السياسي. ووفق تصريحات زيلينسكي، فإن الوفد الأميركي قدم «أفكارًا جيدة» وذات قيمة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الاجتماعات لم تنتج اختراقًا بشأن القضايا الرئيسية للحرب.

كما جرى بحث إمكانية عقد لقاء ثلاثي جديد يضم روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، مع طرح دول مثل تركيا والإمارات وسويسرا كأماكن محتملة لاستضافة اجتماع مقبل.

لكن الفرق هذه المرة أن واشنطن لم تكتفِ بالضغط من بعيد؛ بل تحرك مبعوثو ترامب بين العاصمتين، واستمعوا مباشرة إلى بوتين وزيلينسكي.

وهذا ربما يكون أحد أسباب عودة موسكو إلى الحديث عن المفاوضات.

اتصال ترامب–بوتين.. ماذا قيل خلف الأبواب؟

بعد تحرك ويتكوف وكوشنر، جاء اتصال ترامب وبوتين ليضيف طبقة جديدة إلى المسار الدبلوماسي.

بحسب الكرملين، أبلغ ترامب الرئيس الروسي بأنه يريد إنهاء الحرب سريعًا، لأن ذلك سيفتح الطريق أمام إعادة العلاقات الأميركية-الروسية وتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.

أما بوتين، فعرض تقييمه للوضع على الجبهة وما تعتبره موسكو خطوات يمكن لواشنطن اتخاذها للمساعدة في إنهاء الحرب. ووصف الجانبان جهود المبعوثين الأميركيين بأنها إيجابية، مع الاتفاق على استمرار الاتصالات.

وهنا تظهر نقطة مهمة.

ترامب يريد نتيجة سياسية سريعة يمكن أن تنهي الحرب وتفتح صفحة جديدة مع موسكو، بينما ينظر بوتين إلى أي اتفاق من زاوية مختلفة: 

هل سيضمن له مكاسب سياسية وأمنية وإقليمية تعادل ما دفعته روسيا خلال سنوات الحرب؟

لذلك فإن تقارب ترامب وبوتين لا يعني بالضرورة أن الطرفين يريدان الشيء نفسه من المفاوضات.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
ترامب يفتح مسارًا جديدًا في حرب أوكرانيا.. ماذا يريد من موسكو وكييف؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

ماذا تغير خلف الكواليس؟

ربما تكون هذه النقطة الأكثر أهمية في المشهد كله.

فواشنطن لا تتحرك فقط عبر ويتكوف وكوشنر. ففي الوقت الذي كان فيه الرجلان يتنقلان بين موسكو وكييف، برز دور مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف بصورة أكبر.

صحيفة «فايننشال تايمز» ذكرت الأربعاء أن راتكليف يستعد للاضطلاع بدور أكبر في الاتصالات الأميركية مع روسيا وأوكرانيا، وأن الإدارة الأميركية تدرس تقليص مشاركة ويتكوف وكوشنر في هذا المسار، مع احتمال تولي راتكليف جانبًا من الدبلوماسية المكوكية بين موسكو وكييف.

واللافت أن راتكليف كان قد أجرى بالفعل زيارة نادرة إلى موسكو، التقى خلالها مسؤولين روسًا في مجال الاستخبارات، في خطوة أكدت وجود قناة اتصال أمنية مباشرة بين واشنطن وموسكو حتى في ظل استمرار الحرب.

إذا تأكد انتقال جزء أكبر من الملف إلى راتكليف، فقد يعني ذلك أن إدارة ترامب بدأت تبحث عن قناة تفاوض أكثر عمقًا وأقل اعتمادًا على الدبلوماسية التقليدية.

فالمفاوضات لم تعد تتعلق فقط بوقف إطلاق النار، وإنما بأمن روسيا، ومستقبل أوكرانيا، وترتيبات ما بعد الحرب، والعلاقات الأميركية-الروسية الأوسع.

ومن هنا يمكن فهم سبب أهمية الدور المحتمل لرئيس الـCIA: بعض الملفات الأكثر حساسية بين واشنطن وموسكو تمر أصلًا عبر قنوات استخباراتية وأمنية لا تستطيع الدبلوماسية العلنية التعامل معها بسهولة.

لكن العقدة الأساسية لم تتغير

رغم كل هذه التحركات، لا تزال المشكلة الكبرى في مكانها.

الأراضي.

موسكو تريد الاحتفاظ بالمكاسب التي حققتها وتطالب بمزيد من التنازلات الإقليمية، بينما ترفض كييف التخلي عن أراضٍ لا تزال تحت سيطرتها.

وكان الكرملين قد أكد قبل زيارة المبعوثين الأميركيين أن مطالب بوتين المتعلقة بالأراضي ومستقبل أوكرانيا الأمني لا تزال ثابتة، في حين تصر كييف على أن أي اتفاق لا يمكن أن يقوم على إجبارها على التنازل عن أراضيها.

ولهذا، فإن الحديث عن «عودة المفاوضات» لا يعني أن السلام أصبح قريبًا.

فالعودة إلى الطاولة أسهل بكثير من الاتفاق على ما سيحدث عندما يبدأ التفاوض الجدي.

المفارقة: الدبلوماسية تتحرك والحرب مستمرة

المشهد الأكثر دلالة ربما هو أن التحرك الدبلوماسي لم يؤدِّ إلى توقف الحرب.

خلال زيارة ويتكوف وكوشنر، حدثت فترة تهدئة مؤقتة لتسهيل تحرك الوفد الأميركي، لكن الهجمات عادت بعد ذلك، بما في ذلك ضربات روسية بطائرات مسيّرة وصواريخ على كييف ومناطق أخرى. وفي المقابل، تواصل أوكرانيا هجماتها بالطائرات المسيّرة على أهداف داخل روسيا.

وهذا يكشف طبيعة المرحلة الحالية.

موسكو وكييف لا تتفاوضان من موقع ثقة، وإنما في الوقت الذي يحاول فيه كل طرف تحسين موقعه العسكري والسياسي قبل أي اتفاق.

وبالتالي، فإن المفاوضات قد تكون بالنسبة إلى بوتين وسيلة لاختبار مدى استعداد ترامب للضغط على كييف، كما يمكن أن تكون بالنسبة إلى أوكرانيا فرصة لمعرفة حدود ما تستطيع واشنطن انتزاعه من موسكو.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
مدير CIA جون راتكليف في موسكو سرًا.. ماذا بحث مع الاستخبارات الروسية؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

هل يريد بوتين السلام فعلًا؟

السؤال الأصعب ليس ما إذا كانت روسيا مستعدة للحديث؛ فالكرملين يقول الآن إنها مستعدة.

السؤال هو: ما الذي تعتبره موسكو اتفاقًا مقبولًا؟

إذا كان بوتين يرى أن ميزان الحرب ما زال يسمح لروسيا بتحقيق مكاسب إضافية، فقد يستخدم المفاوضات كوسيلة لإدارة الصراع وليس لإنهائه فورًا.

أما إذا بدأت موسكو تشعر بأن استمرار الحرب يحمل تكلفة متزايدة، أو أن واشنطن باتت مستعدة لتقديم ترتيبات أمنية واقتصادية أوسع مقابل التسوية، فقد تصبح المفاوضات مسارًا حقيقيًا لإنهاء الحرب.

وفي المقابل، يواجه ترامب معادلة معقدة أيضًا.

فهو يريد إنهاء الحرب سريعًا، لكنه يريد في الوقت نفسه إعادة بناء العلاقة مع موسكو. وإذا منح روسيا تنازلات كبيرة، فقد يواجه مقاومة من أوكرانيا وأوروبا. وإذا ضغط على موسكو أكثر من اللازم، فقد يعود المسار إلى الجمود.

الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد

عودة الاتصالات الأميركية-الروسية، وزيارة ويتكوف وكوشنر، واتصال ترامب ببوتين، ثم إعلان موسكو استعدادها لاستئناف المفاوضات، كلها تشير إلى أن المسار الدبلوماسي يتحرك من جديد.

لكن لا يوجد حتى الآن ما يكفي للقول إن اتفاق سلام أصبح قريبًا.

ما تغير هو اللهجة والقنوات، وليس بعدُ جوهر الخلاف.

وربما يكون هذا هو الجزء الأكثر أهمية في قصة الأيام المقبلة: هل تستطيع واشنطن تحويل الاتصالات الحالية إلى إطار تفاوضي حقيقي؟ وهل يستطيع ترامب إقناع بوتين وزيلينسكي بتقديم تنازلات لا يريد أي منهما تقديمها؟

في النهاية، الاختبار الحقيقي ليس في إعلان موسكو استعدادها للحديث، بل في ما إذا كانت مستعدة لتغيير شروطها عندما تبدأ المفاوضات فعلًا.

محور الحدث

محور الحدث

منصة عربية مستقلة متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات معمقة للأحداث الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضا": دول البلطيق على طاولة المقايضة.. هل بدأت أوروبا دفع ثمن صفقة ترامب وبوتين

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال