دول البلطيق على طاولة المقايضة.. هل بدأت أوروبا دفع ثمن صفقة ترامب وبوتين

 هناك شيء يتغير في أوروبا، وربما أخطر مما يبدو في البيانات الرسمية والتصريحات الدبلوماسية.

ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالحرب الروسية ـ الأوكرانية، وباللقاءات المتتالية بين واشنطن وموسكو، وبمحاولات الرئيس الأميركي دونالد ترامب دفع كييف نحو تقديم تنازلات، تتجه الأنظار إلى نقطة أكثر حساسية في الخريطة الأوروبية: دول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا.

هل يمكن أن تكون أوكرانيا جزءًا من مقايضة أوسع تمس شكل الأمن الأوروبي؟

السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط: هل تريد روسيا توسيع نفوذها في أوروبا الشرقية؟

السؤال الأخطر هو: هل يجري التفاوض أصلًا على حدود هذا التوسع؟

هذه القراءة تبدو شديدة الخطورة، خصوصًا مع تصاعد التحركات العسكرية الروسية بالقرب من كالينينغراد، وتعزيز بولندا لقواتها الجوية، وبدء مناورات روسية ـ بيلاروسية، بالتزامن مع تحركات داخل حلف الناتو لتعزيز وجوده في أوروبا الشرقية.

لكن الصورة تصبح أكثر إثارة للقلق عندما توضع هذه التطورات إلى جانب سلسلة اجتماعات سياسية جرت خلال العام، بدا فيها أن الدول الثلاث الأكثر تعرضًا لأي تمدد روسي محتمل كانت خارج الغرفة.

الخطة الروسية كما تُقرأ من الخريطة

وفق هذه القراءة، فإن التحرك الروسي المحتمل في أوروبا لا يُفترض أن يبدأ بحرب شاملة مع حلف الناتو.

بل يبدأ على مراحل.

المرحلة الأولى تتمثل في السيطرة على إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، بما يمنح موسكو موقعًا متقدمًا على الساحل الشرقي لبحر البلطيق.

أما المرحلة الثانية فتتعلق بـجزيرة غوتلاند السويدية في بحر البلطيق، باعتبار أن السيطرة عليها تمنح الطرف الذي يمتلكها قدرة استراتيجية على التحكم بمساحات واسعة من بحر البلطيق.

ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي الأكثر اتساعًا وخطورة: المواجهة الكبرى في محيط القطب الشمالي، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والاقتصادية مع الثروات المعدنية والموارد التي تختزنها المنطقة.

وبهذا المعنى، فإن الحرب الأوروبية ـ وفق هذه القراءة ـ لا تكون هدفًا بحد ذاتها، بل جزءًا من صراع أكبر على إعادة رسم ميزان القوة والوصول إلى الموارد الاستراتيجية.

ممر سوالكي.. العقدة التي يمكن أن تشعل البلطيق

هنا تظهر أهمية ممر سوالكي.

فالممر الذي يفصل بولندا عن دول البلطيق الثلاث يمكن أن يتحول، في أي مواجهة روسية ـ أطلسية، إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في القارة الأوروبية.

والسيناريو المطروح يقوم على دخول قوات روسية وبيلاروسية إلى المنطقة بهدف قطع الاتصال البري بين دول البلطيق وبقية دول حلف الناتو.

وفي حال تحقق ذلك، تصبح موسكو قادرة على ربط المجال العسكري بين بيلاروسيا وكالينينغراد، بما يتيح نقل القوات والمعدات بين المناطق الخاضعة لنفوذها، ويمنحها موقعًا أكثر قوة في مواجهة دول أوروبا الشمالية والغربية.

الأهم أن السيطرة على هذا الممر لا تعني مجرد احتلال نقطة جغرافية.

إنها تعني عمليًا عزل دول البلطيق عن العمق الأطلسي، وفتح الباب أمام السيطرة الروسية على الجزء الشرقي من بحر البلطيق.

وهنا تحديدًا تصبح إستونيا ولاتفيا وليتوانيا أكثر من مجرد ثلاث دول صغيرة على الخريطة.

تصبح الدول الثلاث بوابة استراتيجية إلى بحر البلطيق، وعقدة أساسية في الأمن الأوروبي.

لماذا يُطرح اسم ترامب في هذه المعادلة؟

هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في التحليل.

القراءة المطروحة لا تقول إن واشنطن قررت تسليم أوروبا لروسيا ببساطة، وإنما تفترض أن إدارة ترامب قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات محددة لموسكو، مقابل الحصول على فترة من الهدوء ومنع روسيا من التوسع إلى ما هو أبعد من الحدود التي يمكن أن تقبل بها الولايات المتحدة.

أي أن المسألة قد لا تكون:

روسيا تريد أوروبا، وأميركا تتركها لها.

بل ربما تكون:

روسيا تريد مساحة استراتيجية جديدة، وواشنطن تحاول تحديد ثمنها وحدودها.

وفي هذه الحالة، تصبح أوكرانيا جزءًا من عملية مقايضة أوسع.

تنازلات في الشرق الأوكراني، مقابل وقف أو تجميد الحرب.

تنازلات روسية في ملفات أخرى، مقابل قبول الغرب بخطوة أولى لموسكو.

وتفاهمات تتصل بالشرق الأوسط وإسرائيل، وبالصراع المتوقع حول ممر زينغزور في آسيا الوسطى، حيث تبرز تركيا وإيران كطرفين أساسيين.

وفوق ذلك كله، يأتي ملف الغاز والممرات التي تريد الولايات المتحدة وأوروبا تأمينها بعيدًا عن النفوذ الروسي، سواء في آسيا الوسطى أو الشرق الأوسط.

بمعنى آخر، قد لا تكون أوكرانيا هي القضية الوحيدة التي تجري مناقشتها في الخلفية.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
600 مسيّرة فوق موسكو.. وكييف ترد بضربات أبعد من الحدود
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الغائبون الذين يستحقون التوقف عندهم

ربما يكون الدليل الأكثر إثارة للتساؤلات، وفق هذه القراءة، ليس ما قيل في الاجتماعات، وإنما من كان غائبًا عنها.

في الأول من مارس، استضاف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أكثر من 12 دولة أوروبية، بعد اجتماعه مع ترامب في الولايات المتحدة، لإطلاع القادة الأوروبيين على نتائج اللقاء المتعلق بالحرب الروسية ـ الأوكرانية.

حضر فولوديمير زيلينسكي الاجتماع.

لكن الدول الثلاث الأكثر حساسية تجاه روسيا لم تكن موجودة:

إستونيا، لاتفيا وليتوانيا.

قد يبدو الأمر تفصيلًا بروتوكوليًا إذا نظرنا إليه منفردًا.

لكن صحفًا في دول البلطيق نفسها قرأت الغياب باعتباره مصدر قلق، وعبّرت عن مخاوف من أن تكون هناك تفاهمات تُناقش على حسابها.

ثم جاءت محطة أخرى أكثر أهمية.

في 15 أغسطس، عقد ترامب لقاءه مع فلاديمير بوتين، وكان عنوانه المعلن الحرب الروسية ـ الأوكرانية.

وفي اليوم التالي، دعا ترامب الزعماء الأوروبيين وزيلينسكي لإطلاعهم على نتائج الاجتماع.

ومرة أخرى، وفق القراءة نفسها، لم تكن دول البلطيق الثلاثة حاضرة.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الغياب نفسه:

كيف يمكن أن تناقش أوروبا والولايات المتحدة مستقبل الأمن الأوروبي، بينما تكون الدول الأكثر تعرضًا للخطر الروسي خارج الاجتماعات؟

قد يكون لذلك تفسير دبلوماسي أو تنظيمي.

لكن عندما يتكرر الأمر، يصبح من المشروع سياسيًا طرح السؤال.

لماذا يصر ترامب على كلمة «التنازل»؟

في كل هذه الصورة، تبرز عبارة متكررة في خطاب ترامب: على كييف أن تتنازل.

لكن التنازل لا يجيب وحده عن السؤال الأساسي.

إذا كان الهدف إنهاء الحرب فقط، فلماذا يكون التنازل هو المدخل الأساسي؟

وإذا كانت أوروبا مقتنعة بأن طموحات موسكو تتجاوز أوكرانيا، فلماذا لا يكون السؤال المركزي هو: إلى أين ستذهب روسيا بعد أوكرانيا؟

هنا تحديدًا تكمن الفجوة في النقاش الأوروبي.

فالمواجهة لا تُقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تسيطر عليها روسيا في أوكرانيا، وإنما بالمساحة الاستراتيجية التي ستصبح متاحة أمام موسكو بعد انتهاء الحرب.

والأخطر أن أي اتفاق يوقف القتال من دون تحديد واضح للخطوط الحمراء المقبلة قد لا يكون نهاية الصراع، بل مجرد هدنة بين مرحلتين.

الانسحاب الأميركي من البلطيق.. لماذا الآن؟

في 18 أغسطس، أعلنت الولايات المتحدة عن نيتها  بسحب جزء من قواتها من دول البلطيق الثلاثة، بحجة الحاجة إلى هذه القوات في مناطق أخرى.

الخطوة، بحد ذاتها، قد تكون جزءًا من إعادة انتشار عسكرية أوسع.

لكن توقيتها يثير التساؤلات.

ففي اليوم التالي، تحركت دول البلطيق الثلاثة باتجاه الكونغرس الأميركي عبر تشكيل لجنة طارئة، مطالبة بالحفاظ على الدعم العسكري الأميركي المقدم إليها ضمن مبادرة الأمن لدول البلطيق.

والرسالة التي حملتها الدول الثلاث كانت واضحة:

نحن دول صغيرة، لكننا من أكثر الدول الأوروبية إنفاقًا على الدفاع مقارنة بالناتج المحلي، ومن أكبر الداعمين لأوكرانيا، ونشتري الأسلحة ونموّل المجهود العسكري، وقد حذرنا منذ سنوات من أن روسيا تمثل الخطر الأكبر علينا.

بمعنى آخر، كانت الرسالة:

لقد فعلنا كل ما طلبتموه منا، فلا تتركونا الآن وحدنا.

وجاء ذلك بعد يوم واحد فقط من إطلاق روسيا مسيرات باتجاه بولندا، وهو تطور اعتبرته دول الناتو تصعيدًا خطيرًا.

وهنا تتغير دلالة الانسحاب الأميركي.

لأن السؤال لم يعد فقط: أين ستنتشر القوات الأميركية؟

بل:

هل تستطيع دول البلطيق أن تثق بأن المظلة الأميركية ستبقى قائمة عندما تبدأ المواجهة الفعلية؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
سوريا وروسيا تحسمان مستقبل حميميم وطرطوس.. ماذا عن الوجود الروسي؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الناتو يدخل.. ولكن ليس بكامل قوته

في الوقت نفسه، أعلن حلف الناتو تعزيز وجوده في أوروبا الشرقية بمشاركة فرنسا وبريطانيا وألمانيا والدنمارك.

وجود فرنسا وبريطانيا وألمانيا تحديدًا مهم.

لكن اللافت هو أن هذه المشاركة لا تعني دخول الحلف بكامل ثقله في مواجهة مباشرة.

إنها، وفق هذه القراءة، مشاركة جزئية.

وهذه النقطة قد تكون مقصودة بحد ذاتها.

فإذا كانت الولايات المتحدة تريد منع روسيا من تجاوز خطوط معينة، لكنها لا تريد الانخراط في حرب شاملة، وإذا كانت أوروبا الغربية تريد دعم الجناح الشرقي للناتو لكنها لا تريد تحويل أي حادث إلى حرب أوروبية واسعة، فقد نكون أمام نموذج جديد:

الردع دون حرب شاملة، والمواجهة دون تعبئة كاملة.

أي السماح بمواجهة محدودة، مع محاولة إبقائها تحت سقف معين.

وهذا تحديدًا هو السيناريو الذي يجعل احتمال اندلاع مواجهة روسية ـ بولندية، بمشاركة جزئية من الناتو، أكثر خطورة من الحرب التقليدية.

لأن أخطر الحروب ليست بالضرورة تلك التي تبدأ بقرار معلن.

أحيانًا تبدأ بحادث، ثم برد، ثم برد مضاد، ثم يصبح التراجع أكثر كلفة من الاستمرار.

هل باعت أوروبا الشرقية نفسها؟

لطالما حذرت صحف ومؤسسات أوروبية من أن سياسات ترامب قد تقود إلى صفقة أميركية ـ روسية على حساب أوروبا.

لكن المفارقة أن أوروبا الغربية التي عارضت ترامب في السابق قد تجد نفسها أمام معادلة لا تملك ترف رفضها بالكامل.

فهي تريد وقف الحرب.

وتريد منع روسيا من التوسع.

وتريد في الوقت نفسه تجنب حرب مباشرة مع موسكو.

وتحتاج إلى ضمان أمن الطاقة والممرات التجارية.

كما تريد الحفاظ على المصالح الغربية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

هذه المصالح كلها قد تدفع نحو تسوية مؤقتة.

لكن التسوية المؤقتة تحمل سؤالًا أخطر:

من سيدفع ثمنها؟

إذا كان الثمن هو أراضٍ أو نفوذ في أوكرانيا، فهذا أمر معروف ومعلن في النقاش السياسي.

أما إذا كان الثمن التالي هو أمن دول البلطيق، فهذه قصة مختلفة تمامًا.

لأن الأمر عندها لا يعود متعلقًا بأوكرانيا.

بل بمستقبل الحدود الشرقية لحلف الناتو.

من البلطيق إلى زينغزور.. الصراع أكبر من أوروبا

الصورة لا تتوقف عند أوروبا الشرقية.

فممر زينغزور في آسيا الوسطى يمثل نقطة أخرى في المعادلة الجيوسياسية الأوسع.

تركيا وإيران مرشحتان لأن تكونا من أهم أطراف الصراع حول هذا الممر، بينما تراقب الولايات المتحدة وأوروبا حركة الغاز والطاقة والممرات التجارية التي يمكن أن تعيد تشكيل المنطقة بعيدًا عن روسيا.

وهنا يمكن فهم لماذا تبدو ملفات متباعدة جغرافيًا وكأنها تتحرك في الوقت نفسه:

أوكرانيا.

بحر البلطيق.

ممر سوالكي.

الشرق الأوسط.

ممر زينغزور.

الغاز.

ثم القطب الشمالي.

هذه ليست بالضرورة ملفات منفصلة.

قد تكون أجزاء من عملية واحدة لإعادة توزيع النفوذ العالمي.

القطب الشمالي.. الجائزة التي قد تفسر كل شيء

إذا صحت القراءة التي تربط التحركات الروسية الأوروبية بالصراع على القطب الشمالي، فإن الحرب الحالية تصبح مجرد مرحلة في سباق أكبر بكثير.

فالقطب الشمالي ليس مجرد منطقة جليدية نائية.

إنه مساحة ضخمة من الموارد والثروات والمعادن، وموقع استراتيجي يتزايد الاهتمام به مع تغير الظروف الجغرافية والاقتصادية.

ومن هذه الزاوية، فإن الخسائر الاقتصادية والبشرية التي تدفعها روسيا في صراعاتها قد تبدو، بالنسبة إلى صانع القرار الروسي، أقل أهمية من المكاسب الاستراتيجية التي يمكن تحقيقها في النهاية.

وبذلك تصبح السيطرة على بحر البلطيق، وتأمين الجناح الغربي، وتثبيت النفوذ في مناطق أخرى، خطوات ضمن معركة أوسع على الوصول إلى الموارد والممرات الاستراتيجية في الشمال.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أوكرانيا تنقل الحرب إلى اقتصاد روسيا.. لماذا استهدفت "وايلدبيريز"؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الحرب المقبلة قد لا تبدأ في كييف

ما يحدث في أوروبا الشرقية يستحق مراقبة مختلفة.

لأن السؤال لم يعد فقط متى تنتهي الحرب في أوكرانيا، وإنما ماذا سيحدث بعد أن تنتهي أو تتوقف.

إذا خرجت روسيا من الحرب وهي أكثر قدرة على المناورة في بحر البلطيق، وإذا أصبح ممر سوالكي نقطة ضغط دائمة، وإذا تراجع الحضور الأميركي في دول البلطيق، وإذا بقي الناتو في حالة مشاركة جزئية، فإن الخريطة الأمنية الأوروبية ستكون قد تغيرت حتى من دون توقيع معاهدة تعلن ذلك.

وهنا تصبح بولندا نقطة مركزية.

فهي الدولة التي تقف على تماس مباشر مع كالينينغراد وبيلاروسيا، وهي أيضًا الجسر البري الذي يربط أوروبا الغربية بدول البلطيق.

ولهذا فإن أي احتكاك روسي ـ بولندي لن يكون نزاعًا ثنائيًا بالمعنى التقليدي.

إنه قد يكون الاختبار الحقيقي للمادة الخامسة في حلف الناتو، وللقدرة الغربية على تحديد ما إذا كانت الحدود التي ترسمها موسكو مقبولة أم لا.

ما وراء الحدث

الخطر الحقيقي ليس في أن تستولي روسيا غدًا على إستونيا أو لاتفيا أو ليتوانيا.

الخطر الحقيقي هو أن تصبح فكرة التخلي عن هذه الدول قابلة للنقاش أصلًا.

فأوروبا التي بنت أمنها لعقود على مبدأ أن حدود الناتو غير قابلة للمساومة قد تجد نفسها أمام واقع مختلف: حدود يمكن إعادة التفاوض عليها، ومناطق نفوذ يمكن مقايضتها، وحروب يمكن تجميدها بدل إنهائها.

إذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد روسي ـ بولندي.

إنه اختبار لنظام الأمن الأوروبي كله.

أما إذا كانت القراءة خاطئة، فستبقى الأحداث الحالية مجرد سلسلة مناورات ورسائل ضغط متبادلة لن تصل إلى حرب كبرى.

لكن المشكلة أن التاريخ لا يمنح الدول رفاهية معرفة الإجابة مسبقًا.

وهذا تحديدًا ما يجعل دول البلطيق الثلاثة اليوم أكثر من مجرد تفصيل صغير في الأزمة الروسية ـ الأوكرانية.

فإستونيا ولاتفيا وليتوانيا قد تكون، في نهاية المطاف، المقياس الذي سيكشف ما إذا كانت أوروبا قد قررت فعلًا الدفاع عن حدودها، أم أنها بدأت تقبل تدريجيًا بإعادة رسمها.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا ليس: هل باعت أميركا وأوروبا دول البلطيق لروسيا؟

بل:

هل بدأت واشنطن والعواصم الأوروبية الغربية تتعامل مع أمن البلطيق باعتباره ورقة تفاوض، أم أنها تستعد فعلًا لمنع موسكو من الوصول إلى المرحلة الثانية؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل أوروبا لعقود مقبلة.

ما وراء الحدث


وسام المصري
رئيس التحرير

اقرأ أيضا": من إيران إلى مصر.. هل جاء اتفاق مكة لكسر استراتيجية الاستفراد بدول المنطقة؟

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال