في أقل من أيام، ظهرت ثلاث إشارات متتالية ترسم مشهداً مختلفاً في الخليج والبحر الأحمر: واشنطن فتحت قناة اتصال مباشرة مع الحوثيين في سلطنة عُمان، والرياض كانت تطلب من الولايات المتحدة دعماً عسكرياً مباشراً في مواجهة الجماعة، ثم اتجهت السعودية إلى الصين طلباً للمساعدة.
لكن المفارقة لم تتوقف هنا.
بكين لم تكتفِ بالاستماع إلى الرياض، بل تحركت باتجاه طهران، ووفق مصادر إيرانية نقلت عنها رويترز، طلبت الصين من إيران استخدام نفوذها لدى الحوثيين للمساعدة في كبح تصعيد الجماعة اليمنية.
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
فالسؤال لم يعد فقط: لماذا طلبت السعودية من الصين التدخل؟
السؤال الأهم هو: لماذا أصبحت بكين، في لحظة أمنية شديدة الحساسية، جزءاً من الحسابات السعودية؟
من واشنطن إلى مسقط.. قناة مختلفة عن الرياض
في مطلع هذا الأسبوع، عقد مسؤولون أمريكيون لقاءً مع ممثلين عن الحوثيين في مسقط، في اجتماع لم يكن معلناً مسبقاً، وساعدت سلطنة عُمان في ترتيبه.
وبحسب المعلومات التي ظهرت عن الاجتماع، ناقش الطرفان استمرار الهدنة بين الولايات المتحدة والحوثيين، والحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس وجود مفاوضات مع الحوثيين.
هذه النقطة مهمة بالنسبة إلى الرياض.
فالسعودية كانت في الوقت نفسه تواجه تصعيداً حوثياً متزايداً، وكانت قد طلبت من واشنطن مساعدة عسكرية مباشرة، ووفق مصادر نقلت عنها رويترز، أبلغت واشنطن الرياض أنها لا تريد في الوقت الحالي التدخل العسكري المباشر إلى جانبها، مع استمرار تقديم دعم استخباري وتعاوني.
وهكذا ظهر اختلاف واضح في الحسابات.
واشنطن تريد منع توسع الحرب وترك باب التفاوض مفتوحاً مع الحوثيين، بينما تجد الرياض نفسها أمام تهديد مباشر على حدودها وأمنها ومصالحها الحيوية.
ليس بالضرورة أن يكون الطرفان قد وصلا إلى قطيعة في الرؤية، لكن الأزمة كشفت أن المصالح الأمريكية والسعودية لا تتحرك دائماً بالسرعة أو بالطريقة نفسها.
لماذا الصين الآن؟
بعد التصعيد الحوثي الأخير، تحركت الرياض باتجاه بكين.
وتقول رويترز إن السعودية طلبت من الصين المساعدة بعدما حقق الحوثيون تقدماً سريعاً على ساحل البحر الأحمر وحول مضيق باب المندب، وهو ما زاد المخاطر على صادرات النفط السعودية وحركة الملاحة.
وهنا تبدو الصين مختلفة عن الولايات المتحدة.
فبكين لا تحتاج إلى إرسال قوات إلى اليمن حتى تكون مؤثرة.
لديها علاقة وثيقة مع إيران، وهي في الوقت نفسه لاعب اقتصادي ضخم يعتمد على تدفق الطاقة وحركة التجارة عبر المنطقة، ولذلك فإن اضطراب البحر الأحمر وباب المندب لا يمثل مشكلة سعودية فقط، بل يمس مصالح صينية مباشرة.
وهذا يمنح بكين ورقة لا تملكها كل العواصم الأخرى: القدرة على مخاطبة طهران من موقع مختلف عن واشنطن.
والأهم أن الصين أثبتت في السنوات الأخيرة استعدادها للعب دور دبلوماسي بين الخصوم الإقليميين، وكان أبرز الأمثلة رعايتها للاتفاق السعودي الإيراني الذي أعاد العلاقات بين الرياض وطهران عام 2023.
لكن هذه المرة، الاختبار أكثر تعقيداً.
فالسعودية لا تطلب من الصين فقط أن تتوسط في خلاف سياسي، وإنما تبحث عن وسيلة لتقليل تهديد عسكري مباشر على أمنها وممراتها التجارية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
الرهان على واشنطن تحت الاختبار.. ماذا ستفعل السعودية بعد اتساع الحرب؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
بكين تضغط على طهران.. لكن إلى أي حد؟
المعلومة الأبرز في التطور الجديد هي أن الصين لم تتوجه مباشرة إلى الحوثيين، وإنما طلبت من طهران استخدام نفوذها لدى الجماعة.
ووفق ثلاثة مصادر إيرانية نقلت عنها رويترز، ضغطت بكين على إيران للمساعدة في كبح الحوثيين.
وهنا تظهر إحدى أكثر حلقات الأزمة تعقيداً.
السعودية لا تتحدث مع الحوثيين فقط، والولايات المتحدة لا تتحدث مع الحوثيين فقط، والصين لا تتحدث مع الحوثيين فقط.
هناك شبكة كاملة من القنوات المتوازية:
الرياض تضغط دبلوماسياً.
واشنطن تفاوض الحوثيين.
بكين تتحدث مع طهران.
وطهران تملك، بحسب مصادر غربية وإيرانية، نفوذاً على الحوثيين.
أي أن المعركة في البحر الأحمر بدأت تنتقل تدريجياً من مجرد مواجهة عسكرية إلى لعبة نفوذ متعددة الأطراف.
لماذا يهم الصين أن يهدأ الحوثيون؟
لأن باب المندب ليس ممراً سعودياً فقط.
إنه جزء من شبكة التجارة والطاقة التي تربط آسيا بأوروبا، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يرفع تكلفة النقل ويعيد رسم مسارات السفن ويضغط على أسواق الطاقة.
وهذا يجعل الصين صاحبة مصلحة مباشرة في منع تحول البحر الأحمر إلى جبهة مفتوحة.
لكن بكين أمام معادلة دقيقة أيضاً.
فهي تريد الحفاظ على علاقتها مع إيران، وفي الوقت نفسه تريد استمرار تدفق الطاقة والتجارة، وبالتالي فإن قدرتها على التأثير في طهران يمكن أن تصبح أكثر أهمية من أي تصريح سياسي يصدر عنها.
لكن التأثير لا يعني السيطرة.
ولا توجد حتى الآن ضمانات بأن إيران ستستجيب بالكامل للضغط الصيني، أو أن الحوثيين سيغيرون سلوكهم لمجرد أن بكين طلبت ذلك.
ولهذا فإن التحرك الصيني يمثل اختباراً حقيقياً لنفوذها الإقليمي، وليس مجرد نجاح دبلوماسي محسوم.
السعودية لا تستبدل واشنطن ببكين
قد يكون من السهل قراءة المشهد باعتباره انتقالاً سعودياً من الولايات المتحدة إلى الصين.
لكن هذه القراءة ستكون أسرع من الأدلة المتاحة.
فالسعودية ما زالت مرتبطة بواشنطن بعلاقات أمنية وعسكرية واستخبارية عميقة، كما أن التعاون بين الطرفين لم يتوقف، وفي الوقت نفسه، ظهرت مؤشرات على استمرار التنسيق العسكري الأمريكي مع دول المنطقة، بما فيها السعودية.
لذلك فإن ما يحدث قد يكون شيئاً أكثر دقة.
الرياض ربما لا تبحث عن «بديل أمريكي»، بقدر ما تبحث عن أوراق إضافية.
وهذا فرق جوهري.
عندما تواجه دولة تهديداً متعدد الاتجاهات، فإن الاعتماد على قوة واحدة لحل كل مشكلة يصبح أقل جاذبية، وقد يكون منطق الرياض في هذه المرحلة هو توزيع أدوات الضغط: الولايات المتحدة للأمن والاستخبارات، والصين للنفوذ مع إيران، وعُمان للوساطة، ودول أخرى للحصول على دعم دفاعي أو سياسي.
وبالفعل، أفادت تقارير بأن السعودية تبحث عن دعم دفاعي من عدة دول، بينها فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر، في ظل استمرار الضغط العسكري.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
تفاهم هرمز بين إيران وعُمان.. هل بدأ حل الأزمة أم إدارتها؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
واشنطن وبكين تقتربان من الملف نفسه بطريقتين مختلفتين
المفارقة الأكبر أن الولايات المتحدة والصين، رغم تنافسهما الاستراتيجي العالمي، تبدوان الآن أمام مصلحة مشتركة جزئياً: منع انهيار أمن الملاحة في البحر الأحمر.
لكن الطريق مختلف.
واشنطن تتحدث مباشرة مع الحوثيين.
بكين تستخدم علاقتها مع إيران.
والسعودية تتحرك بين الطرفين بحثاً عن نتيجة واحدة: تقليل الخطر الذي بات يقترب من أمنها ومصالحها الحيوية.
وهذا قد يكون أهم تحول في المشهد.
فالحرب لم تعد تُدار فقط عبر خطوط الجبهات، بل عبر شبكة من الاتصالات السرية والقنوات الخلفية ومراكز النفوذ المتنافسة.
ما الذي تريده الرياض فعلياً؟
ربما تكون الرسالة السعودية أبسط مما تبدو عليه: لا تريد الرياض أن تصبح وحدها في مواجهة جبهة تتوسع من إيران إلى اليمن والبحر الأحمر.
والتحرك نحو الصين لا يعني بالضرورة أن السعودية قررت إدارة ظهرها لواشنطن.
بل قد يعني أنها تريد أن تقول شيئاً أكثر واقعية:
إذا كانت واشنطن تملك أدواتها، فإن الرياض تريد أن تملك أدوات أخرى أيضاً.
ومن هنا تصبح الصين مهمة.
فإذا تمكنت بكين من إقناع طهران بتخفيف الضغط الحوثي، فإنها تكون قد أثبتت أن نفوذها في الشرق الأوسط يمكن أن يتحول من نفوذ اقتصادي إلى أداة لإدارة الأزمات الأمنية.
أما إذا فشل الضغط الصيني، فستعرف الرياض شيئاً آخر لا يقل أهمية: أن تنويع الشركاء لا يعني بالضرورة امتلاك بديل جاهز عن القوة الأمريكية.
وفي الحالتين، تكون السعودية قد بدأت اختبار معادلة جديدة.
ليست معادلة «واشنطن أم بكين».
بل معادلة أكثر تعقيداً:
كيف تستخدم الرياض واشنطن وبكين وطهران ومسقط وبقية العواصم المؤثرة في الوقت نفسه، من دون أن تمنح أي طرف القدرة على التحكم الكامل في خياراتها؟
هنا تحديداً تكمن أهمية التحرك السعودي نحو الصين.
فما يجري قد لا يكون بداية ابتعاد عن واشنطن، بقدر ما يكون بداية إعادة توزيع للأوراق.
وفي حرب تتغير فيها خطوط النفوذ أسرع من خطوط الجبهة، قد تصبح القدرة على امتلاك أكثر من قناة ضغط أهم من امتلاك حليف واحد قوي.
