هناك دول لا تسقط لأن خصومها أقوى منها فحسب، بل لأنها تتصرف كما لو أن ميزان القوة لا يعنيها، وأن الوقت سيعمل لمصلحتها، وأن الحلفاء لن يسمحوا بسقوطها.
وحين تكتشف خطأ حساباتها، تكون الخيارات قد تقلّصت إلى حدٍّ يجعل التراجع أكثر كلفة من ذي قبل.
هذا هو الدرس الذي يستحق أن تستحضره طهران وهي تواجه خصومًا يمتلكون تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا واسعًا: لا يكفي أن تملك أسباب الصمود كي تضمن النجاة، ولا يكفي أن يكون خصمك مترددًا في خوض حرب طويلة كي تفترض أنه لن يخوضها.
في عام 2003، انتهى حكم صدام حسين تحت ضربات الغزو الأميركي، بعدما دخل العراق الحرب وهو يعاني من اختلال عميق في موازين القوة، وعزلة دولية خانقة، وسنوات من المواجهة مع واشنطن.
واليوم، تطرح التجربة العراقية سؤالًا مختلفًا أمام إيران:
هل تستطيع دولة أن تحوّل موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وشبكة علاقاتها الإقليمية إلى أدوات ردع فعالة، أم أن سوء الحسابات السياسية قد يحوّل هذه الأدوات نفسها إلى أسباب إضافية لاستنزافها؟
ليس المقصود أن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، ولا أن إيران نسخة من عراق صدام، فالدولتان تختلفان في الجغرافيا والقدرات العسكرية وبنية الدولة وطبيعة البيئة الإقليمية.
لكن الأخطر من التشابه بين الدول هو تكرار الأخطاء في قراءة الخصوم، وتقدير حدود القوة، وفهم ما يستطيع الحلفاء تقديمه عندما تصبح المصالح على المحك.
الخطأ الأول: الاعتقاد بأن الخصم سيتراجع قبل أن يدفع الثمن
في الحسابات الاستراتيجية، لا يكفي أن تعرف ما الذي يستطيع خصمك فعله؛ عليك أن تفهم أيضًا ما الذي يمكن أن يقبل بتحمّله لتحقيق أهدافه.
قد يبدو الطرف الأقوى مترددًا، وقد تدفعه الكلفة الاقتصادية للحرب، والخسائر البشرية، وضغوط الرأي العام، وتعقيدات المنطقة إلى البحث عن تسوية.
لكن تحويل هذا التردد إلى رهان دائم على أن الخصم لن يصعّد أبدًا، هو أحد أكثر الأخطاء خطورة في إدارة الأزمات.
فالحروب لا تبدأ دائمًا عندما تكون كلفتها منخفضة، بل قد تبدأ عندما يعتقد أحد الأطراف أن كلفة عدم التحرك أصبحت أعلى من كلفة التحرك نفسه.
هذه النقطة أساسية في قراءة تجربة العراق، فقد تداخلت قبل غزو عام 2003 حسابات النظام العراقي مع تقديرات أميركية خاطئة بشأن أسلحة الدمار الشامل، كما أسهمت سوءات التقدير المتبادلة في تهيئة الطريق إلى الحرب.
لم يكن المشهد مجرد حاكم رفض التراجع أمام خصم أقوى، بل أزمة معقدة فشلت فيها الأطراف في قراءة نيات بعضها بعضًا، وفي تقدير نتائج قراراتها.
وهذا ما يجعل المقارنة مع إيران مفيدة، بشرط ألا تتحول إلى حكم مسبق على ما سيحدث.
إذا اعتقدت طهران أن واشنطن ستتجنب التصعيد مهما بلغت حدة المواجهة، فقد تبني قراراتها على افتراض غير مضمون، وإذا اعتقدت واشنطن بدورها أن التفوق العسكري يكفي لفرض كل شروطها، فقد تقع في خطأ معاكس، فتستخف بقدرة إيران على الرد والاستنزاف وتعطيل المصالح الإقليمية.
الواقعية هنا لا تعني الاستسلام، كما أن التراجع التكتيكي لا يعني بالضرورة الهزيمة، أحيانًا يكون التنازل المحدود وسيلة لحماية المصالح الأساسية، وشراء الوقت، ومنع الخصم من توسيع أهدافه، وفي أحيان أخرى، يؤدي التنازل غير المحسوب إلى تشجيع مزيد من الضغط.
الفارق بين الحالتين تحدده طبيعة الاتفاق، وموازين القوة، والضمانات المتاحة، والبدائل التي يملكها كل طرف.
لكن الدولة التي تتعامل مع كل تسوية بوصفها إهانة لهيبتها، قد تجد نفسها أمام خيارات أصعب بكثير من الخيارات التي رفضتها في البداية.
فالمشكلة ليست في الصمود، بل في أن يتحول الصمود إلى غاية مستقلة عن النتائج التي يُفترض أن يحققها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
واشنطن تحشد وإيران تنتظر.. هل اقتربت الحرب؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الخطأ الثاني: تحويل الخصوم المتفرقين إلى جبهة واحدة
ليست كل دولة تختلف معك عدوًا مستعدًا لخوض الحرب ضدك، وليست كل دولة تنتقد سياساتك مستعدة للمشاركة في تحالف عسكري يستهدفك.
هذه المسافة بين الخلاف والعداء، وبين الحياد والمشاركة في الحرب، هي إحدى أهم المساحات التي تعمل فيها الدبلوماسية.
الدولة التي تدير صراعاتها بذكاء تحاول إبقاء هذه المساحة مفتوحة، فهي لا تستطيع إزالة جميع خصومها، لكنها تستطيع منعهم من الاتفاق على هدف واحد، أو تقليص استعدادهم لتحمل كلفة المواجهة معها.
أما حين تتوسع دائرة التهديدات، وتزداد المخاوف لدى الدول المحيطة، وتتحول مصالح أطراف مختلفة إلى مصالح متقاطعة في احتواء دولة بعينها، فإن هذه الدولة قد تجد نفسها أمام بيئة استراتيجية أكثر عدائية مما كانت عليه في بداية الأزمة.
وهنا تواجه إيران معضلة تتجاوز المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
فطهران لا تتحرك في فراغ، بل في منطقة تتداخل فيها مخاوف أمنية خليجية، وحسابات إسرائيلية، ومصالح أميركية، ومواقف أوروبية، وتنافس دولي على النفوذ، وكلما امتدت تداعيات الصراع إلى دول أخرى، ازدادت احتمالات أن تتقاطع مصالح هذه الأطراف، حتى لو بقيت خلافاتها العميقة قائمة.
ولا يعني ذلك أن العالم سيتحول تلقائيًا إلى كتلة واحدة ضد إيران؛ فالمصالح ليست متطابقة، والخلافات بين القوى الكبرى لا تختفي لمجرد اندلاع أزمة إقليمية، لكن الخطر يكمن في أن تدفع السياسات الإيرانية أطرافًا كانت تفضّل الابتعاد عن المواجهة إلى الاقتراب من مواقف أكثر تشددًا.
إن استهداف أراضي دول الجوار أو تهديد مصالحها، متى وقع وثبتت مسؤوليته، لا يقتصر أثره على الضرر العسكري المباشر.
فهو يغيّر حسابات الحكومات، ويعيد تعريف المخاطر التي تواجهها، وقد يدفعها إلى تعزيز تعاونها الدفاعي مع قوى كانت تفضّل عدم الانخراط معها في ترتيبات أمنية أوسع.
وعندها، لا يعود التحدي محصورًا في مواجهة الخصم الأساسي، بل يمتد إلى التعامل مع بيئة إقليمية أقل استعدادًا لمنح طهران هامش المناورة الذي تحتاج إليه.
وهذه واحدة من المفارقات الكبرى في السياسة: قد تنجح الدولة في إظهار قدرتها على إلحاق الضرر بخصومها، لكنها تفشل في تحويل هذه القدرة إلى مكاسب سياسية، لأن ردود أفعالها تدفع مزيدًا من الأطراف إلى الاصطفاف ضدها.
القوة التي لا تنتج ردعًا مستقرًا قد تتحول إلى مصدر دائم للاستنزاف، والتهديد الذي يُستخدم لإبعاد الخصوم قد يؤدي، إذا أسيء تقديره، إلى جمعهم.
الخطأ الثالث: الخلط بين الشراكة الاستراتيجية والتحالف الدفاعي
في العلاقات الدولية، ليست كل دولة تتعاون معك مستعدة للقتال من أجلك.
قد تشتري منك السلاح، أو تشتري منك النفط، أو تنسق معك في ملفات دولية، أو تعارض العقوبات المفروضة عليك، أو تستخدم علاقتها بك لموازنة نفوذ خصم مشترك، لكن كل ذلك لا يعني أنها ستدخل حربًا مفتوحة لحمايتك عندما تصبح مصالحها الأساسية مهددة.
وهنا تظهر أهمية روسيا والصين في الحسابات الإيرانية.
لقد وسّعت طهران علاقاتها مع موسكو وبكين، وسعت إلى تقوية موقعها ضمن الأطر الدولية غير الغربية، وهذه العلاقات تمنحها منافذ اقتصادية ودبلوماسية، وتتيح أشكالًا من التعاون العسكري والتقني، وتساعدها على تقليص بعض آثار الضغوط الغربية.
لكن السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت روسيا والصين شريكتين لإيران، بل ما حدود ما يمكن أن تقدماه لها في لحظة المواجهة القصوى.
الاتفاق الاستراتيجي الروسي الإيراني الموقع في يناير 2025 لم يتضمن التزامًا بالدفاع العسكري المتبادل، كما أن الشراكة الصينية الإيرانية لا تعني وجود ضمانة صينية بالدخول في حرب دفاعًا عن طهران، وتؤكد هذه الفروق أن التقارب السياسي والاقتصادي، مهما تعمّق، لا يساوي تلقائيًا تحالفًا عسكريًا ملزمًا.
المصدر هنا ليس التخمين بشأن نيات موسكو وبكين، بل طبيعة الاتفاقات المعلنة وحدود الالتزامات التي تتضمنها.
بالنسبة إلى روسيا، ترتبط العلاقة مع إيران بحسابات الحرب في أوكرانيا، ومواجهة النفوذ الأميركي، والتعاون العسكري والاقتصادي.
لكن موسكو مطالبة في الوقت نفسه بحساب كلفة أي مواجهة جديدة، ومدى تأثيرها على أولوياتها الأخرى.
أما الصين، فتتعامل مع إيران ضمن شبكة أوسع من المصالح التجارية والطاقوية والدبلوماسية، وهي تسعى إلى توسيع نفوذها الدولي، لكنها لا تُلزم نفسها تلقائيًا بتحمل الكلفة العسكرية لكل أزمة يخوضها شركاؤها.
ليس في ذلك ما يجعل الشراكة مع موسكو أو بكين بلا قيمة، على العكس، قد تكون لهذه العلاقات أهمية كبيرة في توفير الدعم السياسي والتقني والاقتصادي، وفي تخفيف العزلة، وفي تحسين قدرة إيران على المناورة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تُعامل هذه المكاسب بوصفها ضمانة لاختبار لم يقع بعد.
ففي الأزمات الكبرى، لا تتحرك الدول وفق لغة الصداقة وحدها، بل وفق تقدير المصالح والمخاطر والفرص، وقد يتفق شريكان على مواجهة نفوذ قوة ثالثة، ثم يختلفان على حدود التصعيد المقبول، أو على الثمن الذي ينبغي دفعه.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي استخلاصه من تجربة العراق أيضًا، من دون تبسيطها إلى حكاية عن حلفاء اختفوا لحظة الحاجة، فالعلاقات الدولية لم تكن يومًا شبكة ضمانات مطلقة، كما أن أسباب سقوط نظام صدام حسين كانت أوسع من موقف دولة بعينها.
الدولة التي تبني أمنها على افتراض أن الآخرين سيقاتلون عنها، من دون التزامات واضحة أو مصالح مشتركة كافية، تترك جزءًا أساسيًا من مصيرها خارج سيطرتها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
العراق بعد أمريكا.. من يملأ الفراغ؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الاختبار الحقيقي: هل تستطيع طهران تحويل الصمود إلى تسوية؟
في نهاية المطاف، لا تُقاس حكمة الاستراتيجية بقدرتها على مواصلة المواجهة إلى أجل غير محدد، بل بقدرتها على حماية المصالح الأساسية بأقل كلفة ممكنة، ومنع الخصم من فرض وقائع يصعب تغييرها.
إذا كان الهدف هو حماية الدولة، فإن كل أداة يجب أن تُقاس بمدى خدمتها لهذا الهدف: القوة العسكرية، والعلاقات الدولية، والقدرات الاقتصادية، والدبلوماسية، وحتى التنازلات التي قد تبدو مؤلمة في لحظتها.
فليس مطلوبًا من إيران أن تثق بخصومها، ولا أن تفترض أن التفاوض سيمنحها اتفاقًا عادلًا، ولا أن تتخلى عن كل أوراق القوة التي تمتلكها.
المطلوب هو أن تميّز بين التفاوض من موقع ضعف والتفاوض لتجنب ضعف أكبر، وبين التمسك بالأوراق الاستراتيجية وتحويلها إلى عبء يمنع استخدامها بفاعلية.
فالدبلوماسية ليست نقيض الردع؛ وقد تكون الوسيلة التي تمنح الردع هدفًا سياسيًا واضحًا، والتسوية ليست بالضرورة اعترافًا بالهزيمة؛ فقد تكون محاولة لمنع خسارة أوسع، أما رفض كل مخرج متاح لمجرد أن قبوله سيُفسَّر بوصفه تراجعًا، فقد يجعل الخيارات المتبقية أكثر كلفة وأقل فاعلية.
ولا توجد نتيجة محسومة سلفًا، فقد تنجح طهران في إدارة التوازنات، أو تتوصل إلى تفاهم يخفف الضغوط، أو تتمكن من فرض كلفة تجعل خصومها يعيدون حساباتهم، وقد يحدث العكس إذا توسعت المواجهة وتراجعت فرص التسوية.
لكن التاريخ يقدم تحذيرًا واضحًا: الدول لا تحتاج دائمًا إلى أن تفقد قوتها كي تخسر؛ يكفي أحيانًا أن تعجز عن تحويل ما تملكه من قوة إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار.
الفرق بين الصمود والمكابرة ليس في عدد الضربات التي تتحملها الدولة، بل في قدرتها على تغيير حساباتها قبل أن تتحول كلفة الخطأ إلى ثمن لا يمكن استرداده.
وهنا تكمن العبرة الأعمق من العراق:
ليس أن إيران محكوم عليها بتكرار مصيره، بل أن أي دولة تتجاهل حدود قوتها، وتوسّع دائرة خصومها، وتبالغ في تقدير التزامات حلفائها، قد تجد نفسها أمام أزمة صنعت بعض أسبابها بيدها.
في السياسة، لا يكفي أن ترفض الهزيمة، عليك أيضًا أن تعرف متى تصبح مواصلة الطريق نفسه أقصر الطرق إليها.
المصادر المرجعية للتحقق والتوسع:
