تفاهم هرمز بين إيران وعُمان.. هل بدأ حل الأزمة أم إدارتها؟

 لم يكن الإعلان عن التفاهم الإيراني-العُماني بشأن مضيق هرمز مجرد خطوة تقنية لتنظيم حركة السفن في أحد أهم الممرات المائية في العالم. فخلف الحديث عن «مسارات جديدة» للدخول إلى المضيق والخروج منه، تبدو أزمة أكبر تتعلق بمن يملك قرار الملاحة، وما إذا كانت طهران مستعدة للانتقال من منطق التحكم بالممر الحيوي إلى ترتيبات أكثر قابلية للتوافق الإقليمي والدولي.

مضيق هرمز لن يُعاد فتحه بموجب التفاهم مع عُمان

الأهم أن الرواية الإيرانية نفسها تحمل قدرًا من الالتباس. فبينما تحدث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن إطار عمل وخطة عمل تم التوصل إليهما مع سلطنة عُمان، أكدت مصادر إيرانية أن التفاهم لا يعني إعادة فتح مضيق هرمز، بل يضع الأساس لذلك.

وهنا تحديدًا تبدأ أهمية ما جرى في مسقط.

تفاهم إيراني-عُماني لا يعني فتح مضيق هرمز

بحسب الرواية الإيرانية، تم الاتفاق مع سلطنة عُمان على تفاصيل مسارات جديدة لحركة الدخول إلى مضيق هرمز والخروج منه، على أن يجري بحث التفاهم في اجتماع وزاري يضم دولًا خليجية.

لكن طهران حرصت في الوقت نفسه على الفصل بين «التفاهم» و«فتح المضيق».

هذا التفصيل ليس لغويًا. فهو يعني أن الاتفاق، بصيغته الحالية، أقرب إلى إنشاء آلية لإدارة الحركة البحرية منه إلى إعلان عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي.

والأكثر دلالة أن المصدر الإيراني تحدث عن إغلاق المسار الجنوبي الذي كانت الولايات المتحدة تضغط من أجل فتحه، ما يشير إلى أن جوهر الخلاف لم يكن مجرد وجود سفن تنتظر المرور، وإنما طبيعة المسارات التي ستستخدمها الملاحة والجهة التي تملك التأثير الأكبر في تحديدها.

بمعنى آخر، التفاهم قد ينظم الأزمة، لكنه لا ينهيها.

لماذا أبقت طهران باب هرمز مشروطًا؟

الموقف الإيراني لا يتوقف عند الاتفاق مع عُمان. فقد تحدثت طهران عن سبعة شروط أبلغتها إلى الولايات المتحدة عبر وسطاء، وربطت إعادة فتح المضيق بإنهاء ما تصفه واشنطن بـ«الحصار» والاعتداءات العسكرية على الموانئ الإيرانية.

وهنا تظهر المسألة الأكثر حساسية.

إذا كانت الملاحة في مضيق هرمز مرتبطة بشروط سياسية بين إيران والولايات المتحدة، فإن أي ترتيب إيراني-عُماني، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافيًا وحده لإغلاق ملف المضيق.

وهذا يفسر التباين في التصريحات الإيرانية. فبزشكيان يتحدث عن بقاء الممر مفتوحًا وفق القانون الدولي، ولكن بشرط إنهاء الحصار والاعتداءات، بينما تنقل مصادر إيرانية أن التفاهم مع عُمان لا يعني فتح المضيق أصلًا.

النتيجة أن هرمز أصبح ورقة تفاوضية في الأزمة الأوسع، وليس مجرد قضية ملاحة منفصلة عنها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
من هرمز إلى جازان.. هل أصبحت الطاقة السعودية هدفًا مباشرًا في حرب إيران؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

عُمان تحاول بناء الجسر.. والبحرين تضع خطًا أحمر

وسط هذا التعقيد، اختارت سلطنة عُمان لعب دور الوسيط بين إيران ودول الخليج، في محاولة لتحويل أزمة هرمز من مواجهة مباشرة إلى مسار تفاوضي يمكن من خلاله إعادة تنظيم الملاحة وخفض احتمالات التصعيد.

لكن موقف البحرين كشف أن هناك فجوة بين مجرد جمع الأطراف حول الطاولة وبين القدرة على إنتاج اتفاق خليجي شامل.

المنامة أعلنت صراحة أنها لن تشارك في اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وربطت موقفها بما تعرضت له المملكة من اعتداءات، إضافة إلى استهداف منشآت مدنية واقتصادية في المنطقة.

وهذا يجعل رفض البحرين للمشاركة أكثر من مجرد تحفظ على اجتماع واحد.

فالبحرين تقول عمليًا إن أمن الملاحة لا يمكن فصله عن أمن الدول التي تمر عبرها أو ترتبط بها خطوط الطاقة والبنية التحتية.

ومن هذه الزاوية، يصبح الخلاف حول هرمز جزءًا من سؤال أكبر: هل يمكن بناء ترتيبات أمنية جديدة في الخليج بينما تبقى آثار التصعيد الأخير بلا معالجة؟

لماذا تعتبر البحرين أن قانون البحار شرط أساسي؟

اللافت في الموقف البحريني أنه لم يكتفِ برفض المشاركة، بل طرح تصورًا مختلفًا لكيفية إدارة الملاحة في مضيق هرمز.

فالمنامة شددت على أن أي ترتيب بشأن الملاحة يجب أن يستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وأن يعتمد من المنظمة البحرية الدولية، وأن يحفظ حق المرور العابر للسفن دون تمييز أو رسوم أو تصاريح.

وهذا الموقف ينقل النقاش من مستوى «التفاهم السياسي» إلى مستوى الإطار القانوني الدولي.

وهنا يظهر اختلاف جوهري بين المسارين.

إيران تتحدث عن ترتيبات ومسارات وشروط سياسية مرتبطة بالأزمة مع الولايات المتحدة، بينما تركز البحرين على قواعد دولية وآلية جماعية تشارك فيها دول مجلس التعاون.

وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستتحرك السفن في هرمز؟

بل: من سيضع قواعد الحركة، وتحت أي مرجعية، وبمشاركة من؟

معادلة هرمز الجديدة: إيران وعُمان وحدهما لا تكفيان

قد تنجح طهران ومسقط في التوصل إلى ترتيبات عملية تقلل المخاطر على الملاحة. وقد يكون ذلك خطوة مهمة لتخفيف الضغط عن أسواق الطاقة ومنع تحول المضيق إلى نقطة اختناق دائمة.

لكن أي تفاهم ثنائي يظل محدودًا إذا لم يتحول إلى صيغة أوسع تحظى بقبول الدول الخليجية المعنية مباشرة بأمن الممر.

وهنا تكمن أهمية موقف البحرين.

فرفض المنامة المشاركة لا يعني بالضرورة رفض الحوار مع إيران إلى الأبد، بل يضع شروطًا مسبقة لشكل هذا الحوار: 

عودة العلاقات، معالجة الاعتداءات، احترام السيادة، وربط أي ترتيبات للملاحة بالقانون الدولي.

وبذلك يصبح التحدي أمام عُمان أكبر من مجرد التوسط بين طرفين.

المطلوب هو الانتقال من تفاهم إيراني-عُماني إلى ترتيبات إقليمية قابلة للحياة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
إيران تضرب مواقع أميركية في الكويت.. هل انتقلت الحرب إلى قلب الخليج؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

هرمز أمام اختبار أكبر من فتح المضيق

من السهل اختزال التطورات الأخيرة في سؤال واحد: هل فُتح مضيق هرمز أم لا؟

لكن هذا السؤال، رغم أهميته الاقتصادية، لا يكشف كامل الصورة.

المسألة الأعمق هي أن إيران تبدو مستعدة لمناقشة إدارة الملاحة عبر ترتيبات جديدة، لكنها لم تتخلَّ عن ربط مستقبل المضيق بمسار الصراع مع الولايات المتحدة.

في المقابل، تريد دول خليجية ضمانات بأن حرية الملاحة لن تتحول إلى ورقة ضغط سياسية، وأن أمن الممر لن يُدار من طرف واحد، وأن أي تفاهم يجب أن يأخذ في الاعتبار أمن جميع الدول المطلة على الخليج.

ومن هنا، فإن تفاهم طهران ومسقط قد يكون بداية لمسار تفاوضي طويل، وليس نهاية لأزمة هرمز.

إذا نجحت عُمان في توسيع هذا المسار ليصبح تفاهمًا خليجيًا أوسع، فقد تتحول أزمة المضيق إلى فرصة لإعادة بناء قواعد أمن الملاحة في الخليج.

أما إذا بقي التفاهم محصورًا في ترتيبات إيرانية-عُمانية، مع استمرار الشروط الإيرانية تجاه واشنطن ورفض بعض دول الخليج المشاركة، فقد يكون ما بدأ في مسقط مجرد آلية مؤقتة لإدارة واحدة من أخطر أزمات الملاحة والطاقة في المنطقة.

وفي الحالتين، فإن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للنفط والغاز؛ بل أصبح اختبارًا لمن يملك القدرة على صياغة قواعد الأمن الإقليمي في الخليج.

وسام عثمان المصري - رئيس التحرير
وسام عثمان المصري
مؤسس الموقع | رئيس التحرير

اقرأ أيضا": إيران وتركيا وإسرائيل.. هل بدأت نهاية العصر الأميركي؟

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال