العراق بعد أمريكا.. من يملأ الفراغ؟

 لم يكن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق مجرد نهاية لوجود عسكري استمر أكثر من عقد، ففي الأول من أكتوبر، دخل العراق رسميًا مرحلة جديدة بعد انتهاء مهمة التحالف داخل البلاد وخروج قواته من القواعد التي كانت تستخدمها، وفي مقدمتها قاعدة أربيل.

من يملك القرار في عراق ما بعد أمريكا؟

لكن نهاية المهمة العسكرية لا تعني انقطاع العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، فالولايات المتحدة ستواصل التعاون مع العراق في مجالات التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية ومكافحة الإرهاب ضمن ترتيبات جديدة، فيما تنتقل مهمة مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية إلى إطار أمني إقليمي مختلف.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا يحدث عندما ينتهي الوجود العسكري الأمريكي المباشر، بينما تبقى الولايات المتحدة شريكًا أمنيًا وسياسيًا للعراق؟

السؤال ليس فقط من سيحل مكان أمريكا.

السؤال الأهم هو: من سيملك القرار عندما لا تعود أمريكا موجودة عسكريًا بالطريقة التي عرفها العراق خلال السنوات الماضية؟

فالولايات المتحدة خرجت من العراق، لكنها لم تختفِ من المشهد العراقي بالكامل، التعاون في مجالات التدريب والاستخبارات سيستمر، فيما تنتقل مهمة مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية إلى إطار إقليمي أوسع. 

وفي المقابل، تبدأ بغداد اختبارًا أكثر صعوبة يتعلق بقدرتها على حماية أجوائها وحدودها وفرض احتكار الدولة للسلاح.

وهنا تبدأ المرحلة الأصعب.

أمريكا خرجت.. لكن الفراغ لم يُملأ

من السهل النظر إلى المشهد باعتباره انسحابًا أمريكيًا يفتح الطريق أمام إيران، وهذا بالفعل أحد الاحتمالات التي تخشاها أطراف عراقية وإقليمية، خصوصًا مع وجود فصائل مسلحة تمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا وترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران.

لكن اختزال العراق في معادلة «أمريكا مقابل إيران» لم يعد يشرح كل شيء.

العراق اليوم دولة مختلفة عن العراق الذي دخلته القوات الأمريكية عام 2003، ومختلف أيضًا عن العراق الذي انسحبت منه القوات الأمريكية عام 2011.

القوات العراقية أصبحت أكثر قدرة، ومؤسسات الدولة أكثر رسوخًا، والاقتصاد العراقي مرتبط بشكل مباشر بسوق الطاقة العالمية، فيما أصبحت بغداد لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاهله.

وفي الوقت نفسه، لم تختفِ نقاط الضعف.

هناك سلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، وفصائل مسلحة تملك حساباتها الخاصة، وخلافات مزمنة بين بغداد وأربيل، وحدود حساسة مع إيران وتركيا وسوريا، إضافة إلى خلايا لتنظيم الدولة الإسلامية لا تزال قادرة على تنفيذ هجمات رغم تراجع التنظيم بصورة كبيرة.

ولهذا فإن الفراغ الأمريكي ليس مساحة فارغة تنتظر لاعبًا واحدًا.

إنه مساحة صراع بين عدة قوى.

إيران.. المستفيد الطبيعي أم اللاعب الذي يواجه اختبارًا جديدًا؟

لا تحتاج إيران إلى إرسال قوات إلى العراق لكي تكون حاضرة فيه.

نفوذها موجود أصلًا عبر شبكة سياسية وأمنية واقتصادية وعلاقات عميقة مع فصائل شيعية مسلحة، وبعض هذه الفصائل ينظر إلى خروج القوات الأمريكية باعتباره انتصارًا طال انتظاره.

كتائب حزب الله، على سبيل المثال، أعلنت بعد الانسحاب أن «المقاومة» انتصرت في هذه الجولة، ونفت في الوقت نفسه وجود اتفاق مع الحكومة العراقية على نزع سلاحها. 

في المقابل، أعلنت فصائل أخرى، بينها عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، أنها وضعت أسلحتها تحت سلطة الدولة، فيما اتخذت سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر موقفًا مشابهًا.

وهنا تظهر أول عقدة في المرحلة الجديدة.

إذا كان خروج القوات الأجنبية هو المبرر الذي استخدمته الفصائل للمطالبة بانسحابها أولًا، فإن هذا المبرر انتهى الآن.

لم تعد هناك قوات أمريكية في القواعد العراقية.

وبالتالي ستواجه الفصائل سؤالًا أكثر صعوبة: ماذا بعد؟

هل تعود بالكامل إلى مؤسسات الدولة؟

أم تحتفظ بسلاحها بحجة حماية العراق؟

أم تتحول تدريجيًا إلى قوة سياسية تستخدم نفوذها العسكري كضمانة سياسية؟

هذه ليست قضية تقنية تتعلق بالسلاح فقط، إنها قضية تتعلق بمن يملك قرار الحرب والسلم.

وهنا تدخل حكومة بغداد في الاختبار الحقيقي.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
مسيّرات من العراق تضرب شريان نفط السعودية.. لماذا استُهدف خط شرق-غرب؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

بغداد تريد استعادة القرار

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أعلن في الأول من أكتوبر أن الحكومة ستبدأ «بشكل جدي» معالجة ملف الأسلحة الموجودة خارج سيطرة الدولة، ووضع جدول زمني لا يتجاوز 30 يونيو 2027 لاستكمال العملية.

كما تعهدت الحكومة بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير العراقية الموجودة على الأراضي العراقية، ومنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية لشن أعمال تهدد دول الجوار.

هذه ليست مجرد تصريحات للاستهلاك السياسي.

لأن بغداد تدرك أن خروج أمريكا يترك أمامها فرصة لا تتكرر بسهولة.

طوال السنوات الماضية، كان وجود القوات الأمريكية أحد أكثر الملفات التي استخدمتها الفصائل المسلحة لتبرير استمرار العمل العسكري خارج إطار الدولة.

الآن انتهى الوجود العسكري الأمريكي.

وبالتالي أصبحت الحكومة قادرة على طرح معادلة مختلفة: لا احتلال أمريكي، ولا سلاح خارج الدولة.

لكن تطبيق هذه المعادلة سيكون أصعب من إعلانها.

فالحديث عن نزع سلاح فصائل مسلحة تملك قواعد اجتماعية وسياسية وقدرات عسكرية ليس مثل إصدار قرار إداري.

ولهذا اختارت بغداد تحديد موعد يمتد حتى منتصف 2027 بدل محاولة تنفيذ العملية دفعة واحدة.

الجيش العراقي أمام اختبار السيادة

هناك جانب آخر من المشكلة قد يكون أكثر أهمية من مسألة القواعد الأمريكية نفسها: المجال الجوي العراقي.

قبل الانسحاب، كانت بغداد تدرك أن امتلاك السيادة البرية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الكاملة على حماية المجال الجوي.

ولهذا سرعت الحكومة العراقية خطط تحديث الدفاع الجوي، مع عقود وأنظمة من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وتركيا، بهدف بناء منظومة قادرة على حماية المنشآت النفطية والبنية التحتية والسيادة العراقية.

وفي الأول من أكتوبر، أعاد رئيس الوزراء التأكيد على توجه حكومته لشراء منظومات دفاع جوي متكاملة.

وهذه النقطة مهمة جدًا.

فالعراق لا يريد أن ينتقل من الاعتماد على القوات الأمريكية إلى الاعتماد على طرف إقليمي آخر.

إذا كانت بغداد تريد فعلًا امتلاك قرارها الأمني، فإنها تحتاج إلى جيش قادر على حماية الحدود، ومنظومة دفاع جوي قادرة على مراقبة السماء، وأجهزة استخبارات قادرة على العمل دون الاعتماد الكامل على الدعم الأمريكي.

وهذا مشروع طويل، وليس قرارًا سياسيًا.

تركيا.. لاعب لا يمكن تجاهله

في الحسابات العراقية الجديدة، لن تكون إيران وحدها الدولة الإقليمية التي تراقب الفراغ الأمريكي.

تركيا موجودة في شمال العراق، ولها مصالح أمنية واقتصادية واسعة، خصوصًا في ملف حزب العمال الكردستاني والتجارة والطاقة والعلاقات مع إقليم كردستان.

والأهم أن بغداد نفسها تتجه إلى تنويع مصادر تسليحها.

فالعراق يعمل على تعزيز دفاعاته الجوية بمعدات من تركيا إلى جانب الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، في إشارة إلى أن بغداد لا تريد ربط أمنها العسكري بعاصمة واحدة.

وهنا يمكن أن تظهر معادلة جديدة.

بدل أن يحل لاعب واحد محل أمريكا، قد تتجه بغداد إلى توزيع علاقاتها الأمنية بين عدة أطراف.

وهذا يمنح العراق مساحة مناورة أكبر، لكنه يفرض على الحكومة أيضًا قدرة سياسية عالية حتى لا يتحول تنويع الشركاء إلى تنافس نفوذ داخل مؤسسات الدولة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أميركا تتراجع والسعودية تتحرك.. ماذا يحدث للاقتصاد العالمي؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الخليج يراقب من الشمال

دول الخليج أيضًا لديها سبب مباشر لمراقبة ما يجري في العراق.

العراق ليس بعيدًا عن أمن الخليج، وأي تحول في طبيعة العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة يمكن أن ينعكس مباشرة على أمن السعودية والكويت ودول أخرى.

خلال الأشهر الماضية، برزت مخاوف خليجية من استخدام الأراضي العراقية في هجمات أو عمليات تستهدف دول الجوار، وهو ما يجعل تعهد بغداد بمنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية ضد الدول الأخرى نقطة أساسية في المرحلة المقبلة.

ومن هنا يمكن أن تتحول علاقة العراق مع الخليج من ملف اقتصادي إلى ملف أمني وسياسي أيضًا.

فكلما استطاعت بغداد إثبات أنها تسيطر فعليًا على أراضيها، ازدادت فرص بناء علاقة إقليمية أكثر توازنًا.

أما إذا بقيت الفصائل قادرة على اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة، فسيبقى العراق بالنسبة إلى جيرانه ساحة مفتوحة لاحتمالات التصعيد.

كردستان أمام مرحلة مختلفة

شمال العراق، ليس الأقل قلقا".

إقليم كردستان كان يعتمد بدرجة كبيرة على التعاون مع القوات الأمريكية والتحالف الدولي في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، كما أن القوات الكردية كانت جزءًا أساسيًا من المعادلة الأمنية التي نشأت بعد 2014.

الآن انتهى هذا الغطاء العسكري المباشر.

لكن القيادة الكردية تحاول التأكيد على استمرار التنسيق مع بغداد، خصوصًا في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية وتسوية الملفات العالقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم.

وهنا قد يكون خروج القوات الأجنبية عامل ضغط على الطرفين أكثر منه عامل انفصال.

فأربيل تحتاج إلى بغداد في مرحلة ما بعد التحالف، وبغداد تحتاج إلى أربيل في مواجهة التهديدات القادمة من الشمال والحدود والمناطق المتنازع عليها.

المشكلة أن التاريخ العراقي أثبت أن غياب التنسيق بين الطرفين يمكن أن يفتح الباب أمام قوى أخرى.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
بعد سقوط الأسد.. سوريا تفتح أخطر ملفات النظام السابق من القضاء إلى النووي
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

داعش.. الخطر الذي لا يجوز تجاهله

ورغم أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يعد يمتلك الأراضي والمدن التي سيطر عليها في ذروة تمدده، فإن انتهاء المهمة الأمريكية لا يعني انتهاء الخطر الأمني بالكامل.

الخلايا النائمة والعمليات المحدودة ما زالت موجودة، فيما تخشى بعض الأطراف العراقية والكردية من أن يؤدي فقدان بعض قدرات الاستطلاع والدعم الجوي والاستخباراتي التي كان يوفرها التحالف إلى منح التنظيم مساحة لإعادة بناء نفسه.

رويترز نقلت عن مصادر عراقية ومراقبين مخاوف من أن يؤدي الانسحاب إلى زيادة قدرة الفصائل المدعومة من إيران أو إلى منح تنظيم الدولة فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.

لكن مقارنة الوضع الحالي بعام 2014 ستكون مضللة.

العراق اليوم يمتلك قوات أمنية وخبرة ميدانية وأجهزة أمنية أكثر قدرة بكثير مما كان عليه قبل أكثر من عقد.

ولهذا فإن الخطر ليس في عودة داعش إلى السيطرة على مدن واسعة كما حدث سابقًا، بقدر ما يكمن في قدرته على استغلال أي فراغ أمني أو صراع سياسي طويل لإعادة تنشيط خلاياه.

السؤال الحقيقي: من يملأ الفراغ؟

الإجابة قد تكون: لا أحد.

وهذه ربما هي أكثر نقطة مهمة في المشهد العراقي الجديد.

فالولايات المتحدة لم تترك قاعدة تنتظر قوة أخرى كي تدخلها.

إنها أنهت مرحلة كاملة من الوجود العسكري المباشر، بينما تحاول بغداد أن تتولى المسؤولية بنفسها.

إيران ستحتفظ بنفوذها السياسي والأمني، لكن نفوذها ليس مرادفًا للسيطرة الكاملة على العراق.

تركيا ستواصل حماية مصالحها في الشمال.

دول الخليج ستراقب أمن حدودها ومصالحها.

والولايات المتحدة ستبقى حاضرة عبر التعاون الأمني والاستخباراتي والعلاقات السياسية والاقتصادية، حتى بعد خروج قواتها.

أما بغداد، فهي أمام فرصة استعادة المساحة التي تركها الصراع بين واشنطن وطهران لسنوات طويلة.

لكن الفرصة قد تتحول إلى مشكلة إذا لم تستطع الدولة ملء تلك المساحة بنفسها.

وهنا تحديدًا يكمن معنى الأول من أكتوبر.

إنه ليس اليوم الذي خرجت فيه أمريكا من العراق فقط.

إنه اليوم الذي بدأ فيه اختبار العراق لنفسه.

إذا نجحت بغداد في فرض قرار الحرب والسلم على مؤسسات الدولة، ودمج السلاح ضمن منظومة أمنية واحدة، وتعزيز دفاعاتها الجوية، والحفاظ على التوازن بين أربيل وبغداد، واحتواء خطر داعش، فإن الانسحاب الأمريكي يمكن أن يتحول من فراغ أمني إلى مرحلة جديدة من السيادة العراقية.

أما إذا بقيت القوى المسلحة تحتفظ بقرارات مستقلة، واستمر التنافس الإقليمي في استخدام العراق كساحة نفوذ، فقد لا يكون الفراغ قد انتهى أصلًا.

بل يكون قد انتقل فقط من القواعد الأمريكية إلى داخل الدولة نفسها.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يراقبه العالم خلال الأشهر المقبلة ليس: هل ستصبح إيران صاحبة النفوذ الأكبر في العراق؟

السؤال الأهم هو: هل تستطيع الدولة العراقية أن تصبح صاحبة القرار الأكبر في العراق؟

هذه هي المعركة الحقيقية التي بدأت بعد خروج أمريكا.

وسام عثمان المصري - رئيس التحرير
وسام عثمان المصري
مؤسس الموقع | رئيس التحرير

اقرأ أيضا": الحرب العالمية الثالثة تقترب؟ 6 جبهات قد تشعل العالم في خريف واحد

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال