دخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية، لم تعد فيها أزمة الجنوب مجرد مواجهة أمنية بين إسرائيل وحزب الله، بل تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها، وتنفيذ الالتزامات التي قبلت بها، ومنع الجنوب من الانزلاق مجدداً إلى حرب مفتوحة.
ففي الوقت الذي تتعثر فيه المفاوضات، تتصاعد العمليات الإسرائيلية في الجنوب، بينما تضغط واشنطن باتجاه تنفيذ اتفاق الإطار، وتربط إسرائيل انسحابها من المناطق التي تسيطر عليها بنزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني.
وفي الخلفية، يظهر عامل أكثر تعقيداً: إيران.
فهل أصبح السلاح الموجود في لبنان جزءاً من مفاوضات إقليمية أكبر من لبنان نفسه؟ وهل تستطيع الدولة اللبنانية تنفيذ ما تعهدت به في ظل استمرار النفوذ الإيراني داخل المشهد اللبناني؟
اتفاق الإطار أمام الاختبار الأصعب
وفق قراءة الخبير العسكري والاستراتيجي خالد حمادة، فإن المسار التفاوضي وصل إلى مرحلة شديدة التعقيد، بعدما أصبح شبه متوقف، فيما لا يملك الوفد اللبناني، بحسب تقييمه، مساحة كبيرة للمناورة.
ويقوم اتفاق الإطار، الموقع في 26 يونيو، على معادلة واضحة: انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية مقابل نزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني، على أن يبدأ التنفيذ في مناطق تجريبية ويخضع لآلية تحقق ومراقبة.
وهنا تظهر العقدة الأساسية.
كيف يمكن تنفيذ اتفاق يفرض على الدولة اللبنانية نزع سلاح قوة تملك حضوراً عسكرياً وسياسياً واسعاً، في الوقت نفسه الذي تبقى فيه إسرائيل داخل أجزاء من الأراضي اللبنانية؟
وهل تستطيع بيروت إقناع إسرائيل بالانسحاب قبل اكتمال عملية نزع السلاح؟ أم أن تل أبيب ستعتبر أي تأخير ذريعة لمواصلة عملياتها؟
هذه ليست أسئلة نظرية. إنها جوهر الأزمة الحالية.
إسرائيل تضغط بالنار.. وبيروت ترد سياسياً
ففي أحدث تصعيد، دان الرئيس اللبناني جوزاف عون الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق الجنوب، ولا سيما النبطية ومحيطها، معتبراً أنها تشكل خرقاً لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية والقوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين.
أما رئيس الحكومة نواف سلام، فاعتبر القصف الإسرائيلي المكثف الذي طال النبطية وأنصار ودير الزهراني والقرى المجاورة تطوراً بالغ الخطورة يقوض جهود تثبيت الاستقرار.
وكانت الغارة على بلدة أنصار قد أدت، وفق الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين.
سلام شدد على أن وجود أي بنى عسكرية محتملة على الأراضي اللبنانية لا يمنح إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر، مؤكداً أن معالجة هذه المسألة تقع حصراً على عاتق الدولة اللبنانية والجيش والمؤسسات الشرعية.
لكن إسرائيل تقدم رواية مختلفة، إذ قالت إن قواتها استهدفت بنية تحتية لحزب الله في منطقة أمنية جنوب لبنان، رداً على أنشطة استهدفت جنودها.
وهنا تتكرر الحلقة نفسها: إسرائيل تقول إن السلاح موجود، ولبنان يقول إن معالجة وجوده من اختصاص الدولة، بينما يبقى المدنيون في قلب المواجهة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
رغم وقف النار.. إسرائيل تواصل القصف في جنوب لبنان
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
هل أصبح التدمير أداة تفاوض؟
يرى حمادة أن استمرار العمليات الإسرائيلية يمكن أن يُفهم باعتباره وسيلة ضغط على الدولة اللبنانية لتنفيذ التزاماتها، وليس مجرد عمليات عسكرية منفصلة.
وبحسب هذه القراءة، فإن الرسالة الإسرائيلية تتجاوز استهداف مواقع محددة إلى الضغط على البيئة السياسية اللبنانية بأكملها: كلما تأخر تنفيذ الاتفاق، ارتفعت كلفة التأخير.
لكن هذه المعادلة تطرح مشكلة أكبر.
إذا استمر تدمير القرى والمنازل، فأين سيعود سكان الجنوب؟
وهنا يبرز سؤال اخر يتداوله كثيرون في لبنان:
هل يتحول جنوب لبنان، مع استمرار القصف والتفجيرات وإحراق المنازل والقرى، إلى «غزة جديدة»؟
قد لا تكون الظروف متطابقة، لكن الخشية واحدة: أن يتحول التدمير المتكرر إلى واقع دائم، وأن تصبح عودة السكان وإعادة إعمار المناطق الحدودية أكثر تعقيدًا كلما طال أمد العمليات.
وإذا بقي الجيش اللبناني مطالباً بالانتشار وبسط سلطة الدولة، فيما تتواصل الضربات الإسرائيلية، فكيف يمكن بناء الاستقرار الذي يفترض أن يكون الهدف النهائي للاتفاق؟
من هنا، تصبح إعادة الإعمار وعودة السكان جزءاً من المعادلة الأمنية، لا ملفاً منفصلاً عنها.
إيران تدخل المشهد من الباب اللبناني
المفارقة الأكثر حساسية جاءت من طهران نفسها.
فقد أعلن رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف استمرار التواصل المباشر مع عناصر حزب الله على الخطوط الأمامية في لبنان، وقال إنه يعرف عدداً من قيادات وعناصر الحزب منذ سنوات، وإن التواصل معهم مستمر حتى الآن.
قاليباف تحدث أيضاً عن إدراج ما وصفه بـ«جبهة المقاومة» في البند الأول من مذكرة تفاهم رسمية مع واشنطن، رابطاً ذلك بما اعتبره إثباتاً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه.
هذه التصريحات تفتح باباً بالغ الحساسية أمام لبنان:
إذا كانت طهران تقر باستمرار التواصل المباشر مع مقاتلي حزب الله في الخطوط الأمامية، فإلى أي حد يمكن اعتبار قرار السلاح لبنانياً صرفاً؟
وهل يمكن فعلاً فصل أزمة السلاح في لبنان عن المفاوضات الأميركية الإيرانية والملفات الإقليمية الأخرى؟
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي ذهب أبعد في توصيف العلاقة، عندما وصف حزب الله بأنه «إيراني في الجوهر»، مشيراً إلى أنه لا يصف نفسه بالمقاومة اللبنانية، بل بـ«المقاومة الإسلامية في لبنان»، معتبراً أن الفصل بين جناحيه العسكري والسياسي غير ممكن قبل نزع سلاحه.
معركة أخرى تلوح: ماذا بعد اليونيفيل؟
الأزمة لا تتعلق فقط بالسلاح والانسحاب الإسرائيلي.
هناك موعد آخر يقترب: مستقبل اليونيفيل في جنوب لبنان.
ويتصل هذا الملف مباشرة بالترتيبات الأميركية الجديدة لتنفيذ تفاهمات لبنان وإسرائيل، ولا سيما مع تحرك واشنطن لإنشاء فريق يتولى متابعة تنفيذ هذه التفاهمات ميدانياً وسياسياً، في مؤشر إلى أن المرحلة المقبلة قد تعتمد بصورة أكبر على آليات متابعة وتنفيذ تتجاوز الدور التقليدي للوساطة.
فالولايات المتحدة أبلغت بيروت مجدداً رفضها تجديد ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، التي تنتهي ولايتها أواخر العام الجاري، وفق المعطيات الواردة في المباحثات الأميركية اللبنانية.
وكان مجلس الأمن قد قرر في أغسطس 2025 إنهاء مهمة اليونيفيل مع نهاية العام، على أن يتولى الجيش اللبناني تدريجياً مسؤولية الانتشار وبسط سلطة الدولة على المنطقة الحدودية.
وهذا يعني أن جنوب لبنان مقبل على انتقال أمني بالغ الأهمية.
القوة الدولية التي شكل وجودها جزءاً من ترتيبات الحدود منذ عام 1978 ستغادر، فيما يفترض أن يملأ الجيش اللبناني الفراغ الأمني تدريجياً.
لكن السؤال الأصعب هو:
هل يملك الجيش اللبناني الوقت والقدرات والظروف السياسية الكافية لتسلم هذه المهمة في ظل استمرار التصعيد؟
واشنطن تريد نموذجاً جديداً للجنوب
رغم الانتقادات اللبنانية للتصعيد الإسرائيلي، تقول واشنطن إن مسار اتفاق الإطار يتحرك.
وخلال الجولة السابعة من محادثات روما، بحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، جرى بحث استكمال الإطار الثلاثي، والتحقق من عمليات إزالة الألغام والمخلفات المتفجرة التي ينفذها الجيش اللبناني، إضافة إلى دعم جهود إعادة الإعمار.
كما استكملت الوفود العسكرية وضع المعايير التشغيلية والخرائط المشتركة وخارطة الطريق لفتح مناطق تجريبية جديدة.
وتقول واشنطن إن هناك الآن تعريفات ومقاييس واضحة لقياس النجاح، وإن الجولة المقبلة من المحادثات ستشهد تقديم لبنان خرائط طريق تفصيلية لتأمين مناطق جديدة مع تقدم التنفيذ.
ومن المقرر عقد جولة جديدة من المحادثات في روما في أوائل سبتمبر.
أي أن واشنطن، على عكس الانطباع الذي قد تعطيه المعارك اليومية، لا تعتبر المسار التفاوضي منتهياً.
لكنها في الوقت نفسه تدفع باتجاه صيغة مختلفة للأمن في الجنوب، تقوم بصورة أكبر على الجيش اللبناني وعلى إنهاء الدور الدولي لليونيفيل.
الجيش اللبناني بين مهمتين مستحيلتين؟
الجيش اللبناني أعلن استمرار تنفيذ مهامه في الجنوب، رغم الصعوبات التي تواجهه نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، والتي قال إنها تعيق استكمال انتشاره وعودة الأهالي إلى بلداتهم.
وفي المقابل، يواجه الجيش مهمة أخرى أكثر تعقيداً: تطبيق حصرية السلاح بيد الدولة.
وهنا تظهر واحدة من أخطر نقاط الاختبار أمام الدولة اللبنانية.
هل يمكن للجيش أن يتولى الأمن الحدودي بصورة كاملة، فيما يبقى السلاح خارج مؤسسات الدولة؟
وهل يمكن تنفيذ نزع السلاح من دون توافق سياسي داخلي واسع؟
وماذا يحدث إذا اصطدم القرار الرسمي برفض داخلي أو بتدخلات إقليمية؟
حمادة يرى أن نزع السلاح ليس مطلباً أميركياً فقط، بل يرتبط بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة وبأحكام الدستور، محذراً من أن استمرار الانقسام داخل المؤسسات الأمنية حول كيفية تنفيذ المهمة قد يؤدي إلى مزيد من التدمير.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
إسناد ملف حزب الله إلى سوريا.. هل تبحث واشنطن عن وكيل جديد؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
لبنان يخشى أن يخسر موقعه في المفاوضات
المسألة الأكثر خطورة، وفق قراءة حمادة، ليست فقط احتمال استمرار الغارات.
الخطر هو أن تفقد الدولة اللبنانية صفتها كطرف موثوق في العملية السياسية.
وفي هذه الحالة، قد تتجه واشنطن إلى التعامل بصورة أكبر مع إسرائيل ومع ترتيبات وتحالفات إقليمية لتغيير الواقع على الأرض، ضمن هدف أوسع يتعلق بإعادة رسم النفوذ الإقليمي وإخراج إيران من لبنان.
وهنا يصبح لبنان أمام معادلة شديدة القسوة:
إما أن تنجح الدولة في استعادة زمام القرار، أو أن يتراجع دورها في تقرير مستقبل الجنوب.
أما حزب الله، فتقول القراءة التي قدمها حمادة إن إيران قد تستخدمه كورقة ضغط في أي تسوية إقليمية، خصوصاً مع تراجع فعالية بعض أدوات الحرب غير التقليدية أمام التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي الإسرائيلي.
وهذا يعني أن المعركة على السلاح قد لا تكون معركة لبنانية داخلية فقط.
هل نحن أمام تسوية أم أمام حرب جديدة؟
المشهد اللبناني اليوم لا يقدم إجابة نهائية.
هناك مسار تفاوضي أميركي مستمر، ومحادثات جديدة مرتقبة في روما، ومناطق تجريبية يجري العمل على تنفيذها، وخطط لتمكين الجيش اللبناني.
وفي المقابل، هناك تصعيد إسرائيلي، ورفض أميركي لتجديد اليونيفيل، وضغط متزايد على الدولة، واستمرار إشكالية سلاح حزب الله، إضافة إلى اعتراف إيراني بالتواصل المباشر مع عناصر الحزب على الجبهة.
كل هذه المسارات تجتمع في نقطة واحدة: الوقت يضيق أمام الدولة اللبنانية.
فإذا نجحت بيروت في تنفيذ صيغة أمنية مقبولة، فقد يتحول اتفاق الإطار إلى بداية لترتيب جديد في الجنوب.
أما إذا استمرت الفجوة بين ما تلتزم به الدولة وما يحدث على الأرض، فقد يصبح التصعيد نفسه بديلاً عن التفاوض.
وهنا السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً:
هل تريد الأطراف فعلاً اختبار قدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها، أم أن الجنوب يتحول تدريجياً إلى ساحة لإعادة ترتيب ميزان القوى الإقليمي؟
والسؤال الأخطر:
إذا انتهت ولاية اليونيفيل، واستمرت إسرائيل في مواقعها، وبقي سلاح حزب الله خارج سلطة الدولة، فمن يملك فعلياً قرار الحرب والسلام في لبنان؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ما إذا كان لبنان يتجه إلى تسوية جديدة، أم يقف فعلاً أمام إنذار أخير يسبق جولة حرب أخرى.
محور الحدث
منصة إخبارية عربية متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات وتقارير معمقة تساعد القارئ على فهم ما وراء الخبر وأبعاده الإقليمية والدولية.
