في الحروب الكبرى، لا تكون معركة النفط دائمًا حول آبار الإنتاج نفسها.
أحيانًا تبدأ المعركة عند المضائق والممرات البحرية، وأحيانًا تنتقل إلى المصافي التي تحول الخام إلى وقود، وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: النفط قد يظل موجودًا في باطن الأرض، لكن الحرب تبدأ بخنق الطريق الذي ينقله إلى الأسواق.
وهذا تحديدًا ما تكشفه التطورات المتزامنة في الخليج وروسيا.
ففي مضيق هرمز، تحاول الولايات المتحدة إعادة تشكيل حركة الملاحة حول واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم، بينما تواجه روسيا في الداخل ضربات أوكرانية متزايدة تستهدف البنية التحتية لتكرير النفط.
جغرافيًا، تبدو الجبهتان منفصلتين تمامًا.
استراتيجيًا، هما جزء من معركة واحدة: من يستطيع تعطيل شريان الطاقة، ومن يستطيع إبقاءه مفتوحًا؟
هرمز.. الورقة التي تحاول إيران تحويلها إلى سلاح
لطالما امتلكت إيران واحدة من أقوى أوراق الضغط الجيوسياسية في المنطقة: مضيق هرمز.
المعادلة بسيطة في ظاهرها. فمن يملك القدرة على التأثير في حركة السفن عبر المضيق يستطيع تهديد جزء مهم من صادرات الطاقة المتجهة من الخليج إلى الأسواق العالمية.
لكن الحرب الحالية بدأت تغيّر هذه المعادلة.
خلال الأسابيع الماضية، شهدت حركة الملاحة عبر هرمز ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالمستويات التي سجلتها في بداية الحرب، ووصل عدد السفن التي عبرت في إحدى الفترات من نحو 40 سفينة إلى قرابة 200 سفينة أسبوعيًا، وفق بيانات وتقارير نقلت عن مصادر في قطاع الشحن. كما استخدمت نسبة كبيرة من السفن مسارًا جنوبيًا بمحاذاة السواحل العمانية، في إطار ترتيبات أمنية مدعومة أمريكيًا.
لكن الصورة ليست مستقرة.
فأحدث بيانات حركة السفن تظهر أن العبور تراجع مجددًا بصورة حادة، مع تسجيل عدد محدود جدًا من السفن خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينما بقيت بعض السفن خارج نطاق الرصد بسبب إيقاف أجهزة التتبع. وهذا يعني أن هرمز لم يتحول ببساطة إلى ممر مفتوح، بل أصبح ساحة صراع على من يملك القدرة على التحكم في حركة العبور وشروطها.
وهنا تكمن المفارقة.
إيران التي بنت جزءًا من قوتها الردعية على إمكانية تهديد المضيق، تواجه الآن محاولة أمريكية لتقليل قيمة هذه الورقة من خلال توفير ممرات بديلة وآمنة نسبيًا للسفن.
والأخطر بالنسبة لطهران أن المعركة لم تعد فقط حول إغلاق المضيق أو فتحه.
إنها تتحول تدريجيًا إلى معركة حول من يملك القدرة على تشغيله.
إذا أصبحت السفن قادرة على العبور عبر ترتيبات أمنية أمريكية، وبطرق تقلل من قدرة إيران على فرض رسوم أو شروط أو تهديدات مباشرة، فإن قيمة المضيق كورقة ضغط إيرانية تبدأ بالتراجع، حتى لو بقيت إيران قادرة على تعطيل الملاحة أو استهداف السفن.
وهذا هو الفرق بين امتلاك موقع جغرافي استراتيجي، وامتلاك القدرة الفعلية على استخدامه سياسيًا.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أرباح النفط تتضخم.. من يربح من فوضى هرمز والحروب؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
روسيا.. النفط موجود، لكن المصافي تتلقى الضربة
في الجبهة الأخرى من حرب الطاقة، لا تواجه روسيا المشكلة نفسها.
موسكو لا تخوض معركة للسيطرة على مضيق بحري، وإنما تواجه ضربات مباشرة على الحلقة التي تربط النفط الخام بالسوق المحلية والعالمية: المصافي.
الهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية أدت إلى اضطرابات واسعة في عمليات المصافي، وانخفضت صادرات روسيا المنقولة بحرًا من المنتجات النفطية في يوليو بنسبة 33.3% مقارنة بيونيو، لتصل إلى نحو 3.93 مليون طن، وفق بيانات قطاعية نقلتها رويترز.
وتشير بيانات S&P Global إلى صورة أكثر وضوحًا: صادرات المنتجات النفطية الروسية هبطت في يوليو إلى نحو 1.18 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ بدء السلسلة الزمنية في 2016، بينما انخفضت عمليات تكرير الخام إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ أكثر من عقدين.
وهنا تظهر المفارقة الروسية أيضًا.
روسيا ما زالت تملك النفط.
وما زالت قادرة على تصدير الخام إلى الأسواق الآسيوية.
لكن المشكلة أصبحت في القدرة على تكريره داخل البلاد وتحويله إلى بنزين وديزل ومنتجات أخرى.
ولهذا اضطرت موسكو إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية السوق المحلية، بما في ذلك تقييد صادرات بعض المنتجات، في وقت بدأت فيه روسيا، أحد أكبر مصدري المنتجات النفطية عالميًا، في شراء وقود من الخارج، بما في ذلك شحنات بنزين من الهند.
وهذا تطور شديد الدلالة.
فالدولة التي اعتاد العالم أن ينظر إليها باعتبارها مصدرًا ضخمًا للطاقة، تجد نفسها مضطرة في بعض الظروف إلى البحث عن الوقود خارج حدودها.
لكن هذا لا يعني أن روسيا أصبحت عاجزة عن استخدام النفط كسلاح اقتصادي.
على العكس.
بيانات يوليو تشير إلى أن صادرات الخام الروسي المنقولة بحرًا بقيت مرتفعة، إذ بلغت نحو 4.32 مليون برميل يوميًا، رغم تراجعها عن يونيو. وهذا يعني أن الضربات على المصافي لا تزال تضرب «قدرة التكرير» أكثر مما تضرب «قدرة إنتاج الخام وتصديره».
بل إن تقديرات Rystad Energy تشير إلى أن إنتاج الخام الروسي في 2026 يتجه إلى متوسط يبلغ نحو 8.95 مليون برميل يوميًا، مع خفض التوقعات بنحو 90 ألف برميل يوميًا مقارنة بالتقديرات السابقة، بفعل الاضطرابات والهجمات والمخاطر التي تواجه البنية التحتية النفطية الروسية.
من هرمز إلى المصافي.. الحرب تغيّر تعريف «أمن النفط»
المشهدان الإيراني والروسي يقدمان درسًا واحدًا.
أمن الطاقة لم يعد يعني فقط: كم برميلًا تستطيع الدولة إنتاجه؟
السؤال أصبح أوسع بكثير:
كيف يخرج النفط من المنطقة المنتجة؟
كيف يصل إلى المصفاة؟
كيف يتحول إلى وقود؟
وكيف يصل في النهاية إلى المستهلك؟
في هرمز، يجري الصراع على الطريق.
وفي روسيا، يجري الصراع على المنشأة.
وفي الحالتين، تستهدف الحرب الحلقة التي تجعل النفط قابلًا للاستخدام الاقتصادي.
وهذا يفسر لماذا أصبحت سوق الطاقة العالمية أكثر حساسية تجاه الأحداث العسكرية حتى عندما لا يكون هناك نقص فوري في الخام نفسه.
فإذا تعطلت الملاحة، ترتفع تكلفة النقل والتأمين.
وإذا تعطلت المصافي، ينخفض إنتاج الوقود حتى لو بقي الخام متوفرًا.
وإذا حدث الأمران في وقت واحد، تبدأ المشكلة الحقيقية.
وهذا تحديدًا ما يجعل التطورات الحالية أخطر من مجرد أرقام منفصلة عن حركة السفن أو صادرات روسيا.
فالعالم لا يواجه فقط خطر فقدان ملايين البراميل من الإنتاج، وإنما يواجه خطرًا أكثر تعقيدًا: اختناق شبكة الطاقة نفسها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
من إيران إلى مصر.. هل جاء اتفاق مكة لكسر استراتيجية الاستفراد بدول المنطقة؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الصدمة المزدوجة
المفارقة أن روسيا وإيران تقفان في موقعين مختلفين داخل هذه المعادلة.
إيران تمتلك موقعًا جغرافيًا يمنحها قدرة على التأثير في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، لكنها تواجه محاولة أمريكية لتقليل هذه القدرة عبر حماية الملاحة وإيجاد مسارات تشغيلية تقلل من نفوذ طهران.
روسيا تمتلك قاعدة ضخمة من إنتاج النفط الخام، لكنها تواجه استهدافًا متزايدًا للمصافي والبنية التحتية التي تحول هذا الخام إلى منتجات يحتاجها السوق.
وبذلك تصبح المعركة أقل ارتباطًا بالسؤال التقليدي: «من يملك النفط؟»
والسؤال الأهم يصبح: «من يملك القدرة على إبقاء النفط متحركًا؟»
هذه هي المعركة الحقيقية التي تتكشف خلف الحرب.
فالممرات البحرية يمكن أن تصبح ساحات عسكرية، والمصافي يمكن أن تتحول إلى أهداف استراتيجية، والسفن يمكن أن تصبح أدوات ضغط، وحتى الوقود نفسه يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف لدولة تملك ملايين البراميل من الخام.
ولهذا فإن حرب الطاقة الحالية لا تُقاس فقط بعدد البراميل التي خرجت من الآبار.
إنها تُقاس بعدد البراميل التي تمكنت من الوصول إلى السوق، وبعدد المصافي التي بقيت تعمل، وبعدد السفن التي استطاعت عبور الممرات البحرية.
وفي هذه المعادلة، بدأت تظهر حقيقة جديدة:
من يسيطر على شرايين النفط لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك النفط نفسه.
وهنا تكمن خطورة ما يجري من هرمز إلى المصافي الروسية؛ فالحرب لم تعد تستهدف مصدر الطاقة فقط، بل بدأت تستهدف الطريق الذي تسلكه، والمنشأة التي تعالجها، والسفينة التي تحملها، والسوق التي تنتظرها.
ما وراء الحدث:
الحرب المقبلة على الطاقة قد لا تكون حربًا على آبار النفط، بل حربًا على كل ما يقع بين البئر والمستهلك.

