مضيق هرمز وباب المندب.. تأثيرهما على سوق النفط العالمي

 لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة اختناق في خريطة تجارة الطاقة العالمية، ولا مجرد ساحة أخرى في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. 

خلال الأيام الأخيرة، تحول المضيق إلى جزء مباشر من معادلة التفاوض نفسها، بعدما ربطت طهران إمكانية إعادة فتحه بتخفيف الضغط العسكري الأميركي ورفع القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية.

مضيق هرمز وباب المندب.. كيف يعيدان رسم سوق النفط العالمي؟

وبالتزامن، يتعرض ممر بحري آخر، هو باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، لضغوط متزايدة مع توسع نفوذ الحوثيين على الساحل اليمني. 

وبينما تتراجع حركة السفن عبر هرمز وتتعرض حركة الملاحة في باب المندب للاضطراب، بدأت سوق النفط تعكس هذه المخاطر في الأسعار وتكاليف الشحن والتأمين.

المشكلة بالنسبة للسوق العالمية لم تعد فقط: هل يتوقف النفط عن التدفق؟

السؤال أصبح أكثر تعقيدًا: كم سيكلف نقل النفط إذا أصبحت الطرق الرئيسية نفسها جزءًا من الحرب؟

ماذا تريد إيران من ورقة هرمز؟

في 22 سبتمبر، قال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن طهران تستطيع إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة ضغطها العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية. 

وأضاف أن استئناف المسار الدبلوماسي يحتاج إلى إعلان أميركي رسمي بالرغبة في حل الأزمة عبر التفاوض، إلى جانب الاتفاق على جدول زمني لذلك.

وفي اليوم التالي، أكدت طهران أن اتصالات غير مباشرة استمرت عبر وساطة قطرية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأنها نقلت إلى الجانب الأميركي شروطها لاستئناف الدبلوماسية. 

وشملت المطالب التي جرى تداولها رفع الحصار البحري، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، وإنهاء العمليات العسكرية على الجبهات التي تعتبرها طهران جزءًا من الصراع.

لكن هذه الاتصالات لم تتحول حتى الآن إلى اختراق سياسي. فقد قالت مصادر إيرانية لـ«رويترز» إن طهران وواشنطن ما زالتا متباعدتين بشأن كيفية إنهاء الحرب، رغم استمرار القنوات الدبلوماسية.

وهنا تظهر أهمية هرمز.

فإيران لا تقدم فتح المضيق باعتباره إجراءً تقنيًا منفصلًا عن الحرب، بل تربطه مباشرة بالمسار السياسي، وهذا يعني أن حركة السفن أصبحت جزءًا من التفاوض على شكل التسوية نفسها.

بالنسبة إلى واشنطن، يمثل ذلك اختبارًا مزدوجًا: كيف يمكن تخفيف أزمة الملاحة والطاقة من دون تقديم تنازلات لطهران؟ 

وبالنسبة إلى إيران، فإن إبقاء المضيق تحت الضغط يوفر ورقة يمكن استخدامها لإجبار الولايات المتحدة على التعامل مع الملف البحري باعتباره جزءًا من تكلفة استمرار الحرب.

لماذا أصبح هرمز ورقة بهذه القوة؟

تكمن أهمية المضيق في أنه ليس مجرد ممر جغرافي ضيق، بل البوابة البحرية الرئيسية التي تربط منتجي الخليج بالأسواق العالمية.

وقبل اندلاع الحرب، كان نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يمر عبر هرمز، ومع استمرار الحرب وتراجع حركة السفن، أصبحت الكميات التي تعبر المضيق أقل بكثير من مستويات ما قبل الصراع، مع تعرض حركة ناقلات النفط لضربة أكبر.

لكن اللافت أن سوق الطاقة لم تتوقف بالكامل.

وهذا هو الجزء الذي لا يظهر دائمًا في العناوين العاجلة.

شركات النفط ودول الخليج بدأت تبحث عن طرق بديلة، وتستخدم ترتيبات لوجستية أكثر تعقيدًا، بما في ذلك عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في مياه أكثر أمانًا قرب سلطنة عُمان. 

ووفق تحليل لـ«رويترز»، ارتفعت كميات النفط التي يجري نقلها بهذه الطريقة إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، مقابل 1.4 مليون برميل يوميًا في أغسطس.

أي أن السوق وجدت طريقة للاستمرار، لكنها تدفع ثمنًا أعلى.

وهنا تبدأ قصة النفط.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أرامكو توقف نفط أوروبا.. خط السعودية تحت الضغط
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

النفط لا يحتاج إلى أن يتوقف كي ترتفع أسعاره

خلال الأسابيع الماضية، تجاوز خام برنت حاجز 105 دولارات للبرميل في موجات صعود مرتبطة بتصاعد مخاطر الإمدادات والملاحة، وفي أحدث تعاملات 24 سبتمبر، تراجع برنت إلى نحو 102 دولار بعد صعود قوي في الجلسة السابقة، مع استمرار حساسية السوق لأي إشارة تتعلق بالمفاوضات الأميركية الإيرانية أو حركة السفن في المنطقة.

وهذا التفصيل مهم.

فالسعر لا يعكس فقط كمية النفط الموجودة في السوق، وإنما يعكس أيضًا درجة اليقين بأن هذا النفط يستطيع الوصول إلى المشتري في الوقت المناسب وبالتكلفة المعتادة.

عندما تصبح الرحلة البحرية أكثر خطورة، ترتفع تكاليف التأمين والشحن، وعندما تحتاج الناقلة إلى تغيير مسارها أو نقل حمولتها إلى سفينة أخرى، ترتفع الكلفة أكثر، وإذا احتاجت العملية إلى عدد أكبر من الناقلات لتأمين الكمية نفسها، تصبح قدرة الأسطول العالمي على نقل النفط أكثر ضيقًا.

وبحسب «رويترز»، تجاوزت تكلفة الشحن على بعض المسارات بين الخليج والصين 30 دولارًا للبرميل، مقارنة بنحو 2 إلى 3 دولارات قبل الحرب.

وهذا يعني أن الأزمة لا تضيف فقط علاوة جيوسياسية إلى سعر النفط، بل تضيف علاوة لوجستية أيضًا.

بمعنى آخر، حتى عندما يستمر النفط في الوصول إلى الأسواق، فإن الطريق الذي يسلكه أصبح أغلى وأكثر تعقيدًا.

السعودية تحاول إبقاء النفط متحركًا

تملك السعودية واحدة من أهم أدوات تقليل الاعتماد على هرمز، عبر شبكة البنية التحتية التي تسمح بنقل جزء من النفط إلى موانئ خارج الخليج.

لكن هذه الميزة تعرضت بدورها للضغط.

الهجوم الذي أصاب خط أنابيب شرق-غرب السعودي في سبتمبر هدد مسارًا مهمًا يسمح بتصدير النفط عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز. 

وكانت «رويترز» قد أشارت إلى أن الخط يستطيع التعامل مع كميات تمثل نسبة مهمة من الإمدادات العالمية، وأن توقفه وضع ضغوطًا على المخزونات في ينبع.

وهكذا ظهرت مفارقة استراتيجية:

السوق كانت تنظر إلى المسارات البرية والموانئ الواقعة خارج هرمز باعتبارها صمام أمان، لكن الحرب بدأت تضغط على هذه البدائل أيضًا.

والسبب يقودنا جنوبًا، إلى باب المندب.

من هرمز إلى باب المندب.. أين يذهب النفط إذا تعطل الطريق البديل؟

إذا كان هرمز يمثل بوابة الخليج إلى بحر عُمان والمحيط الهندي، فإن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر باتجاه خليج عدن والمحيط الهندي، ومن ثم قناة السويس والبحر المتوسط.

ولهذا فإن اضطراب الممرين في الوقت نفسه يخلق مشكلة أكبر بكثير من اضطراب كل واحد منهما منفردًا.

في اليمن، حقق الحوثيون خلال سبتمبر تقدمًا سريعًا على ساحل البحر الأحمر، واستولوا على مناطق ومواقع استراتيجية بينها مدينة المخا ومواقع قريبة من الجزر والممر المؤدي إلى باب المندب. 

وحذرت تقارير دولية من أن هذا التقدم يزيد المخاطر أمام حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

والتطور لم يتوقف عند السيطرة الميدانية.

في 24 سبتمبر، قالت مصادر في الحكومة اليمنية إن قواتها صدت هجمات حوثية جديدة على طريق إمداد رئيسي باتجاه عدن، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغطًا متزايدًا على مواقعها في الجنوب.

كما دفعت المخاطر المتصاعدة حول باب المندب إيطاليا إلى الدعوة لزيادة الوجود البحري لحماية السفن التجارية، بينما دعت اتصالات دولية حديثة إلى ضمان المرور الآمن عبر هرمز وباب المندب معًا.

وهذا يعكس تغيرًا مهمًا في طبيعة الأزمة.

لم يعد العالم يتعامل مع هرمز وباب المندب كأزمتين منفصلتين. كلاهما أصبح جزءًا من شبكة واحدة تربط الخليج بممرات التجارة والطاقة إلى آسيا وأوروبا.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
تفاهم هرمز بين إيران وعُمان.. هل بدأ حل الأزمة أم إدارتها؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

أزمة ممرين لا تعني بالضرورة توقف التجارة

مع ذلك، سيكون من الخطأ القول إن التجارة العالمية تقف أمام إغلاق شامل وفوري.

التجربة الحالية تظهر قدرة الدول وشركات الطاقة والنقل على ابتكار بدائل مؤقتة: تحويل مسارات، استخدام موانئ أخرى، زيادة المخزونات، نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى، وتوزيع المخاطر على عدد أكبر من المسارات.

لكن المشكلة أن هذه البدائل ليست مجانية ولا غير محدودة.

بيانات حركة السفن خلال الفترة من 14 إلى 20 سبتمبر أظهرت انخفاضًا حادًا في العبور عبر هرمز، بينما انخفضت حركة السفن أيضًا عبر باب المندب مقارنة بالعام السابق، مع تراجع أكبر في حركة ناقلات النفط.

وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت التجارة ستتوقف غدًا.

السؤال هو: إلى أي حد تستطيع منظومة النقل العالمية تحمل استمرار هذه الحالة قبل أن تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى تكلفة دائمة؟

وهنا تحديدًا تصبح أسعار النفط أكثر أهمية من مجرد رقم يومي.

هامش الأمان هو القصة الحقيقية وراء النفط

عندما ارتفع برنت فوق 105 دولارات في موجات التصعيد الأخيرة، لم يكن السوق يقول بالضرورة إن العالم سيفقد كل النفط الخليجي.

كان يقول شيئًا أكثر دقة: هامش الأمان أصبح أضيق.

هناك إنتاج موجود، لكن الوصول إليه أصبح أكثر تعقيدًا.

هناك طرق بديلة، لكنها أكثر تكلفة.

هناك ناقلات، لكن جزءًا أكبر منها أصبح عالقًا في عمليات نقل وتحويل أطول.

هناك مخزونات، لكنها ليست بلا حدود.

وهناك قدرة لدى المنتجين الخليجيين على إعادة ترتيب الصادرات، لكنها تتعرض هي الأخرى لمخاطر أمنية ولوجستية.

لهذا يمكن أن يبقى النفط متاحًا في السوق، بينما يظل السعر مرتفعًا.

فالسوق لا تسعر البرميل الموجود في الحقل فقط؛ إنها تسعر احتمال وصوله إلى المصفاة في الوقت المناسب.

وهذا هو «هامش الأمان» الذي أصبح تحت الاختبار.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
إيران تحت «جزّ العشب».. واشنطن تضرب ما تعيد طهران بناءه والاقتصاد يدفع الثمن
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

المشكلة أن باب المندب لا ينتظر نتيجة مفاوضات هرمز

حتى لو حدث انفراج في هرمز، ستظل أزمة البحر الأحمر قائمة ما لم تتغير المعادلة في اليمن.

وهذا ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا.

فتح هرمز يمكن أن يخفف جزءًا كبيرًا من الضغط على سوق الطاقة، لكنه لن يعيد تلقائيًا الاستقرار إلى باب المندب.

وبالعكس، فإن استمرار التصعيد حول باب المندب يمكن أن يبقي تكاليف الشحن والتأمين مرتفعة حتى في حال تحسن الوضع في الخليج.

ولهذا فإن العالم أمام معادلة مترابطة:

هرمز يؤثر في تدفق النفط من الخليج، وباب المندب يؤثر في الطريق البحري بين آسيا وأوروبا، وأسعار النفط والشحن تعكس المخاطر التي تقع بين الاثنين.

إذا تعرض أحد الممرين للاضطراب، تستطيع السوق البحث عن بدائل.

أما إذا بقي الممران تحت الضغط في الوقت نفسه، تصبح البدائل نفسها أكثر تكلفة وأقل قدرة على امتصاص الصدمة.

المعركة الحقيقية ليست على المضيقين فقط

في نهاية المطاف، تكشف الأزمة الحالية شيئًا أكبر من الصراع حول هرمز أو باب المندب.

إنها تكشف مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على عدد محدود من الممرات البحرية.

طهران تستخدم هرمز كورقة ضغط في التفاوض، والحوثيون يفرضون واقعًا جديدًا حول باب المندب، بينما تحاول السعودية ودول الخليج إبقاء صادرات الطاقة متحركة عبر طرق بديلة. 

وفي الخلفية، تعمل شركات الشحن والنفط على إعادة بناء شبكة لوجستية مؤقتة تستطيع إبقاء الأسواق مزودة بالإمدادات.

لكن كل هذه الحلول لها ثمن.

قد لا تكون النتيجة نقصًا فوريًا في النفط، وقد لا تنهار التجارة العالمية، لكن استمرار المخاطر يعني أن العالم يدفع أكثر مقابل الشيء نفسه: نقل الطاقة والبضائع من نقطة إلى أخرى.

ولهذا فإن الرقم الذي ينبغي مراقبته ليس سعر برنت وحده.

الأهم هو ما إذا كانت الممرات البحرية ستعود إلى العمل بصورة طبيعية، وما إذا كانت تكاليف الشحن ستتراجع، وما إذا كانت الناقلات ستعود إلى استخدام الطرق التقليدية دون الحاجة إلى ترتيبات استثنائية.

حتى ذلك الحين، سيظل هرمز ورقة تفاوض إيرانية، وسيظل باب المندب نقطة ضغط على التجارة، وسيظل النفط يعكس في سعره ليس فقط ندرة البرميل، بل مدى صعوبة الوصول إليه.

وهنا تصبح الدبلوماسية أهم من النفط نفسه: فإذا نجحت في إعادة فتح الممرات، يمكن أن يبدأ «هامش الأمان» بالاتساع من جديد. 

أما إذا بقيت المفاوضات عالقة، فإن كل يوم إضافي من اضطراب الملاحة قد يعني تكلفة إضافية على الطاقة والتجارة العالمية.

محور الحدث

محور الحدث

منصة عربية مستقلة متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات معمقة للأحداث الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضا": هل تغيّر إيران قواعد الطاقة والتجارة؟ هرمز يدفع الخليج إلى بناء طرق بديلة

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال