هل تغيّر إيران قواعد الطاقة والتجارة؟ هرمز يدفع الخليج إلى بناء طرق بديلة

 لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تنتظر الأسواق عودته إلى طبيعته كلما ارتفعت حدة التوتر في الخليج. ما يجري الآن يبدو أعمق من ذلك.

فإيران لا تتحدث فقط عن قدرتها على تعطيل حركة السفن، بل تستعد للإعلان عن منطقة بحرية مقيّدة جديدة في الخليج، في خطوة يمكن أن تنقل المواجهة من تهديد الملاحة إلى محاولة فرض قواعد جديدة على من يمر عبرها. 

مع اقتراب النفط من 100 دولار، قد لا تكون أزمة هرمز أزمة ملاحة فقط

وفي الجهة المقابلة، بدأت دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، تتعامل مع هرمز باعتباره نقطة اختناق استراتيجية ينبغي تقليل الاعتماد عليها، لا مجرد مشكلة مؤقتة تنتظر انتهاء الحرب.

وبين الطرفين يقف النفط. فقد اقترب خام برنت من حاجز 100 دولار للبرميل مجددًا، بينما هبط متوسط حركة سفن السلع عبر المضيق إلى أدنى مستوى منذ مايو، في مؤشر على أن الأسواق بدأت تتعامل مع اضطراب هرمز باعتباره خطرًا يمكن أن يستمر، وليس حادثة عابرة.

من تعطيل الملاحة إلى محاولة تنظيمها

الخطوة الإيرانية الجديدة تستحق التوقف عندها.

طهران أعلنت أنها تعتزم تحديد منطقة بحرية مقيّدة جديدة في الخليج، بالقرب من منطقة الحصار البحري الأميركي، مع إمكانية إدراج السفن التي تدخلها على قوائم العقوبات الإيرانية. وبحسب التقارير، تأتي هذه الخطوة في أعقاب تصعيد متبادل شمل استهداف ناقلات نفط وسفن مرتبطة بالصراع.

وهنا يكمن التحول الحقيقي.

فإغلاق مضيق هرمز، حتى لو كان مؤقتًا، يمثل استخدامًا مباشرًا للقوة ضد حركة الملاحة. أما إنشاء مناطق بحرية تحدد إيران من خلالها أين تستطيع السفن أن تتحرك وأين تصبح عرضة للعقوبات أو الاستهداف، فيعني محاولة الانتقال إلى مستوى آخر: التأثير في قواعد المرور نفسها.

بمعنى آخر، لا تحتاج إيران بالضرورة إلى إعلان «إغلاق هرمز» حتى تجعل المرور عبره أكثر كلفة وخطورة. يكفي أن تصبح شركات الشحن أمام خريطة متغيرة للمناطق المحظورة، ومخاطر الاستهداف، واحتمال العقوبات، والتأمين المرتفع، وعدم وضوح الجهة التي تضمن سلامة السفن.

وهذا تحديدًا ما يجعل الأزمة أخطر من مجرد عدد السفن التي تعبر المضيق كل يوم.

فبيانات الشحن التي نقلتها رويترز تشير إلى أن متوسط عبور سفن السلع عبر هرمز خلال الأيام العشرة الأخيرة انخفض إلى نحو 10 سفن يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ مايو.

في أسواق الطاقة، لا تحتاج الملاحة إلى التوقف بالكامل حتى تبدأ الأزمة. أحيانًا يكفي أن تصبح الرحلة أكثر خطورة وتكلفة حتى تعيد الشركات حساباتها.

هرمز لم يعد مشكلة إيران وحدها

على مدى عقود، تعاملت دول الخليج مع مضيق هرمز باعتباره حقيقة جغرافية لا يمكن تجاوزها. معظم البنية النفطية والتجارية في المنطقة تطورت وهي تفترض أن المضيق سيبقى مفتوحًا.

لكن الحرب الحالية كشفت هشاشة هذه المعادلة.

فالمضيق ليس مجرد ممر بين الخليج وخليج عُمان؛ إنه نقطة يلتقي عندها النفط والغاز والتجارة العالمية والأمن العسكري. وأي اضطراب فيه ينتقل بسرعة من الخليج إلى المصافي الآسيوية، ثم إلى أسعار الوقود، ثم إلى التضخم وأسواق المال والنقل.

ولهذا بدأت دول الخليج تنظر إلى المشكلة بطريقة مختلفة: 

إذا كان لا يمكن ضمان هرمز في كل الظروف، فلماذا تبقى كل الطرق مرتبطة به؟

هنا تظهر الإمارات بصورة واضحة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
مضيق هرمز يُغلق.. من يربح مليارات الأزمة ومن يدفع الثمن؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الإمارات تبحث عن طريق لا يمر بهرمز

الإمارات أعلنت أنها تعمل على تطوير مسارات بديلة لصادرات الطاقة والتجارة حتى لا تصبح رهينة للصراع في الخليج. وتشمل هذه الجهود توسيع قدرات الموانئ الشرقية، والاستثمار في خطوط الأنابيب والسكك الحديدية وممرات تجارية بديلة.

وهذا ليس قرارًا إماراتيًا منفصلًا عن الأزمة الحالية.

فالاستثمار في خطوط الأنابيب والموانئ والممرات البرية لا يعطي نتيجة بين ليلة وضحاها، لكنه يمثل تغييرًا استراتيجيًا في طريقة التفكير.

بدل أن يكون السؤال: كيف نحمي السفن التي تمر عبر هرمز؟

يصبح السؤال: كيف نقلل أصلًا عدد الشحنات التي تحتاج إلى المرور عبر هرمز؟

وهذه نقطة فارقة.

فإذا نجحت الإمارات في زيادة قدرتها على نقل الطاقة عبر مسارات بديلة، فإن هرمز لن يختفي من الخريطة، لكنه سيفقد جزءًا من قدرته على ابتزاز الاقتصاد الخليجي بمجرد ارتفاع مستوى التوتر.

والأمر نفسه ينطبق على التجارة. الموانئ والسكك الحديدية والممرات البرية قد تكون أكثر كلفة أو أطول من الطريق البحري التقليدي، لكنها تمنح دول الخليج شيئًا لا توفره الجغرافيا وحدها: الخيارات.

وهذا ربما يكون أحد أهم الآثار بعيدة المدى للحرب الحالية.

منطق «ما بعد هرمز»

اللافت أن الاستثمار في البدائل لم يبدأ اليوم بالكامل. دول الخليج كانت تدرك منذ سنوات مخاطر الاعتماد على مضيق هرمز، وسبق أن طورت الإمارات خطوط أنابيب وموانئ على ساحل خليج عُمان تسمح بتصدير جزء من النفط بعيدًا عن المضيق.

لكن الحرب الحالية رفعت المسألة من مستوى «التحوط الاستراتيجي» إلى مستوى أكثر إلحاحًا.

فالمشكلة لم تعد افتراضية.

السفن تعرضت للاستهداف، وحركة الملاحة تراجعت، وإيران تتحدث عن مناطق بحرية مقيّدة جديدة، فيما ارتفعت أسعار النفط بسرعة. وفي الوقت نفسه، بدأت دول الخليج تدرك أن ضمان حرية الملاحة لا يعتمد فقط على وجود الأساطيل الأميركية في المنطقة.

بل يحتاج أيضًا إلى بنية تحتية تستطيع العمل عندما تفشل المسارات التقليدية.

وهذا يفسر لماذا تتحول الموانئ وخطوط الأنابيب والسكك الحديدية إلى جزء من الأمن القومي الخليجي، وليس مجرد مشاريع اقتصادية.

النفط يقترب من 100 دولار.. والأسواق تدفع ثمن هرمز

في الوقت نفسه، بدأ السوق يعكس هذه المخاطر بوضوح.

ارتفع خام برنت اليوم إلى نحو 97.17 دولارًا للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس نحو 92.27 دولارًا، في ظل المخاوف من استمرار اضطراب الإمدادات عبر الخليج. وتشير رويترز إلى أن برنت ارتفع بنحو 35% منذ فبراير، بينما قفزت أسعار الديزل بنحو 90% خلال الفترة نفسها.

لكن أهمية حاجز 100 دولار لا تكمن في الرقم نفسه فقط.

فالسوق لا يسعّر النفط بناءً على كمية الخام الموجودة في باطن الأرض، وإنما بناءً على قدرة المنتجين على إيصالها إلى المستهلكين في الوقت والمكان المناسبين.

وهنا تظهر مشكلة هرمز.

قد يكون النفط موجودًا في السعودية والإمارات والعراق والكويت وقطر، لكن إذا أصبحت حركة السفن عبر المضيق أكثر خطورة أو تكلفة، فإن جزءًا من هذا النفط يتحول من «إمدادات متاحة» إلى «إمدادات معرضة للخطر».

والنتيجة الطبيعية هي ارتفاع علاوة المخاطر في السعر.

ولهذا يمكن أن يصل النفط إلى 100 دولار حتى من دون اختفاء كل صادرات الخليج. يكفي أن تعتقد الأسواق أن احتمال حدوث نقص كبير أصبح أعلى.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أمريكا تحاصر إيران وتهادن روسيا والصين.. والسعودية تبني خطها الخاص
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

وماذا يعني ذلك للخليج؟

المفارقة أن ارتفاع أسعار النفط يحمل وجهين متناقضين لدول الخليج.

من جهة، السعر المرتفع يعني إيرادات أكبر للمنتجين القادرين على تصدير النفط.

لكن من جهة أخرى، استمرار اضطراب هرمز يهدد حجم الصادرات نفسها، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويضغط على الاقتصادات العالمية التي يعتمد عليها الطلب على النفط.

كما أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يبقى داخل سوق النفط.

فالوقود الأغلى يعني نقلًا أغلى، وصناعة أكثر تكلفة، وضغطًا إضافيًا على التضخم، واحتمال تشدد نقدي أطول في الاقتصادات الكبرى. وقد بدأت الأسواق بالفعل في إعادة حساب توقعاتها بشأن أسعار الفائدة مع صعود النفط وتزايد مخاطر التضخم.

أي أن أزمة هرمز يمكن أن تتحول من أزمة جغرافية محلية إلى صدمة اقتصادية عالمية إذا طال أمدها.

الصين وآسيا.. الحلقة الأضعف؟

هناك سبب آخر يجعل هرمز أكثر أهمية من مجرد قضية خليجية.

آسيا هي المستهلك الأكبر للطاقة القادمة من الشرق الأوسط، والصين تحديدًا بدأت تشعر بضغط اضطراب الإمدادات. وتشير بيانات رويترز إلى أن واردات الصين البحرية من النفط الخام في أغسطس بقيت أقل بنحو 40% من مستويات ما قبل الصراع، بينما تراجعت واردات الخام البحرية الآسيوية بنحو 16% منذ فبراير.

وهذا يعني أن استمرار الأزمة قد يفتح معركة جديدة حول مصادر النفط البديلة.

الصين يمكنها زيادة مشترياتها من روسيا، ويمكن لآسيا الاعتماد أكثر على إمدادات من مناطق أخرى، لكن البدائل ليست بلا حدود، ولا يمكن نقل ملايين البراميل من مكان إلى آخر من دون أن ترتفع التكلفة.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل سيصل النفط إلى 100 دولار؟

بل: إلى أي سعر يمكن أن يصل إذا تحولت أزمة هرمز إلى وضع طبيعي جديد؟

وهنا يصبح الحديث عن 100 دولار مجرد محطة، لا سقفًا بالضرورة.

هل تستطيع إيران تغيير قواعد اللعبة؟

إيران تمتلك موقعًا جغرافيًا يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في هرمز، لكنها في الوقت نفسه ليست الطرف الوحيد المتضرر من اضطراب المضيق.

فإيران نفسها تعتمد على الخليج في تجارتها، وتواجه أصلًا ضغوطًا شديدة على صادراتها النفطية. وتظهر بيانات رويترز أن صادرات النفط الإيرانية عبر هرمز تعرضت لضغط غير مسبوق خلال الأسابيع الماضية، فيما أصبحت الحرب الاقتصادية جزءًا أساسيًا من المواجهة.

ولهذا فإن محاولة فرض قواعد بحرية جديدة قد تمنح طهران ورقة ضغط سياسية وأمنية، لكنها تحمل أيضًا تكلفة اقتصادية عليها.

المعادلة إذن ليست بسيطة.

إيران تريد أن تثبت أنها تستطيع جعل الخليج مكلفًا للخصوم، بينما تريد الولايات المتحدة وحلفاؤها منع إيران من استخدام المضيق كأداة ضغط استراتيجية. وبينهما تحاول دول الخليج تقليل اعتمادها على المسار الذي أصبح ساحة للصراع.

وهنا تحديدًا تبدأ مرحلة جديدة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أرباح النفط تتضخم.. من يربح من فوضى هرمز والحروب؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

هرمز بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها

حتى لو انتهت المواجهة الحالية وعادت السفن إلى عبور المضيق بأعداد أكبر، فمن الصعب تصور أن تعود دول الخليج إلى نقطة الصفر.

فالدرس أصبح واضحًا: الاعتماد الكبير على ممر استراتيجي واحد يمثل مخاطرة اقتصادية وأمنية مهما كانت الضمانات العسكرية المحيطة به.

وقد يكون هذا هو التغيير الأهم الذي ستتركه الأزمة.

لن يعني ذلك أن هرمز سيفقد أهميته. سيبقى أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وستظل كميات ضخمة من النفط والغاز تمر عبره.

لكن دول الخليج قد تبدأ تدريجيًا في بناء اقتصاد يستطيع أن يعمل حتى عندما يصبح هرمز مضطربًا.

الموانئ البديلة، خطوط الأنابيب، السكك الحديدية، طرق التجارة البرية، وممرات التصدير الجديدة قد لا تلغي أهمية المضيق، لكنها تستطيع تقليص قدرته على شل الاقتصاد الخليجي.

وفي المقابل، تحاول إيران أن تجعل تكلفة المرور في المنطقة أعلى وأن تنتقل من مجرد امتلاك القدرة على تعطيل الملاحة إلى محاولة التأثير في قواعد الملاحة نفسها.

وبين المسارين تتشكل معادلة جديدة في الخليج:

إيران تريد المزيد من النفوذ على الممرات، ودول الخليج تريد المزيد من البدائل عنها، والأسواق تريد معرفة من سيفرض قواعد اللعبة في النهاية.

أما النفط، الذي اقترب مجددًا من 100 دولار، فهو أول من يدفع فاتورة هذه المعركة.

وقد لا يكون السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة هو: هل سيُغلق مضيق هرمز؟

بل سؤال أكثر تعقيدًا:

ماذا لو بقي هرمز مفتوحًا، لكنه لم يعد آمنًا أو رخيصًا أو موثوقًا كما كان؟

عندها لن تحتاج المنطقة إلى إغلاق المضيق كي تتغير خريطة الطاقة العالمية. يكفي أن يصبح الاعتماد عليه مخاطرة لا تستطيع الشركات والدول تجاهلها.

محور الحدث

محور الحدث

منصة عربية مستقلة متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات معمقة للأحداث الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضا": ناقلة سعودية تحت النار قبالة ينبع.. هل وصل حصار هرمز إلى البحر الأحمر؟

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال