من هرمز إلى جازان.. هل أصبحت الطاقة السعودية هدفًا مباشرًا في حرب إيران؟

 لم يعد تهديد الطاقة في الخليج مرتبطًا فقط بما يحدث داخل مضيق هرمز. فمع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع المخاطر على حركة الناقلات، انتقلت الضغوط إلى منشآت الطاقة نفسها، وصولًا إلى جنوب السعودية، حيث تعرضت مواقع في جازان ومدن سعودية أخرى لهجمات حوثية متزامنة أسفرت عن إصابات وأضرار وتوقف عمليات في بعض منشآت الطاقة.

المشكلة لم تعد ناقلة واحدة أو مضيقًا واحدًا، بل شبكة طاقة كاملة تحت الضغط.

الهجوم، الذي نفذته جماعة الحوثي المدعومة من إيران، جاء في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لأسواق النفط. فقد ارتفع خام برنت إلى مستويات قاربت 100 دولار للبرميل، بعدما تجاوز خلال التداولات مستوى 99 دولارًا، وسط مخاوف من أن يؤدي اتساع رقعة استهداف منشآت الطاقة إلى تقليص الإمدادات ورفع كلفة تأمينها ونقلها.

وهنا تكمن أهمية جازان.

فالمسألة لم تعد مجرد هجوم عسكري جديد في حرب الشرق الأوسط، بل اختبار مباشر لقدرة السعودية ودول الخليج على حماية منظومة الطاقة في بيئة أصبحت فيها المخاطر موزعة على أكثر من جبهة: 

مضيق هرمز من الشرق، والبحر الأحمر من الغرب، والمنشآت النفطية والغازية على امتداد الساحل الخليجي.

من استهداف الطريق إلى استهداف المنظومة

خلال الأيام الماضية، كان التركيز الأكبر على مضيق هرمز، حيث تواصل إيران تهديد الملاحة وتدرس إنشاء منطقة بحرية مقيدة تمتد إلى محيط منطقة الحصار الأميركي، مع الحديث عن ممر ملاحي جديد وقواعد أكثر تشددًا لحركة السفن.

وفي أحدث تطورات حركة الملاحة، لم يتجاوز عدد سفن السلع التي عبرت هرمز سبع سفن في يوم واحد، وفق بيانات Kpler نقلتها رويترز، بينما بلغ متوسط العبور خلال الأيام العشرة السابقة نحو عشر سفن يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ مايو.

لكن ما يحدث في جازان يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة.

إذا كان هرمز يمثل تهديدًا للطريق الذي تسلكه الطاقة، فإن استهداف منشآت الطاقة السعودية يعني الاقتراب من المصدر نفسه. وهذه نقلة نوعية؛ لأن السوق لا يتعامل فقط مع احتمال تأخر ناقلة أو ارتفاع تكلفة التأمين، بل يبدأ في احتساب احتمال تعرض الإنتاج والتكرير والتخزين والتوزيع للاضطراب.

وهذا تحديدًا ما يجعل جازان أكثر أهمية من حجم الهجوم نفسه.

لماذا جازان مهمة؟

تقع جازان على ساحل البحر الأحمر، بعيدًا نسبيًا عن مضيق هرمز، وهو ما يمنحها أهمية استراتيجية في الحسابات السعودية الخاصة بتنويع منافذ الطاقة.

لكن تعرض منشآت في المنطقة للهجوم يذكّر بأن بناء طرق بديلة لتجاوز هرمز لا يعني أن المخاطر تختفي. فكلما ابتعدت دول الخليج عن نقطة اختناق واحدة، ظهرت الحاجة إلى حماية شبكة أوسع من الموانئ والمصافي وخطوط الأنابيب والمنشآت الساحلية.

بمعنى آخر، قد لا تكون المعركة المقبلة حول «من يسيطر على هرمز؟» فقط، بل حول «من يستطيع حماية شبكة الطاقة بأكملها؟».

وهذه معادلة أكثر تعقيدًا بكثير.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
هل تغيّر إيران قواعد الطاقة والتجارة؟ هرمز يدفع الخليج إلى بناء طرق بديلة
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

النفط يقترب من 100 دولار.. والسوق يراقب الجبهة السعودية

الأسواق التقطت الرسالة بسرعة.

ارتفع خام برنت إلى قرابة 99 دولارًا للبرميل، في أعلى مستوياته منذ أسابيع، بعدما جاءت الهجمات على منشآت الطاقة السعودية لتضيف عاملًا جديدًا إلى مخاطر الإمدادات.

لكن المفارقة أن النفط لم يتجاوز 100 دولار بشكل مستقر حتى الآن، رغم اضطراب جزء كبير من صادرات الشرق الأوسط.

والسبب أن السوق لا يزال يجد بعض البدائل. فهناك مسارات تصدير وموانئ وخطوط نقل يمكن استخدامها لتقليل الاعتماد على هرمز، إضافة إلى زيادة إنتاج بعض المنتجين خارج منظمة أوبك، وتراجع الطلب في بعض الأسواق، ووجود مخزونات كبيرة لدى الصين.

لكن هذه الهوامش قد تضيق إذا انتقلت الهجمات من السفن والممرات البحرية إلى منشآت الطاقة بصورة أوسع.

وهنا يصبح حاجز الـ100 دولار أكثر من مجرد رقم نفسي في الأسواق.

فإذا اجتمع انخفاض حركة الملاحة في هرمز مع استهداف منشآت الطاقة السعودية، وارتفعت تكلفة التأمين والشحن، فإن السوق قد يبدأ بتسعير «علاوة مخاطر» جديدة لا ترتبط فقط بكمية النفط المتاحة، وإنما بمدى القدرة على إيصالها بأمان إلى المستهلك.

هل أصبحت السعودية هدفًا مباشرًا في الحرب؟

السؤال يحتاج إلى قدر من الدقة.

الهجوم على جازان نفذته جماعة الحوثي، وليس إعلانًا عن ضربة إيرانية مباشرة ضد منشأة سعودية. لكن ارتباط الحوثيين بإيران، وتزامن الهجمات مع التصعيد الأميركي الإيراني، يجعل من الصعب فصل الجبهة اليمنية عن المشهد الإقليمي الأوسع.

وهذا بالضبط ما يرفع مستوى المخاطر.

إيران لا تحتاج بالضرورة إلى استهداف منشأة سعودية بنفسها حتى تؤثر في أمن الطاقة الخليجي. فكلما توسعت رقعة الجهات القادرة على تهديد الموانئ والمنشآت والناقلات، ارتفعت تكلفة حماية النظام بأكمله.

وفي المقابل، تواجه طهران معادلة معقدة أيضًا: كل ضربة تطال الطاقة الخليجية قد ترفع أسعار النفط، لكنها في الوقت نفسه تدفع الدول المستوردة وشركات الطاقة إلى تسريع البحث عن طرق ومصادر بديلة، وتزيد الضغط الدولي على إيران وحلفائها.

الخليج أمام اختبار مختلف

خلال السنوات الماضية، أنفقت دول الخليج مليارات الدولارات على بناء بنية تحتية أكثر مرونة: موانئ جديدة، خطوط أنابيب، مصافٍ، مناطق تخزين، وممرات تجارية بديلة.

وكان الهدف الأساسي تقليل الاعتماد على مضيق هرمز.

لكن التطورات الحالية تكشف أن تنويع طرق تصدير النفط والغاز لا يكفي وحده.

المطلوب هو حماية «شبكة الطاقة» بأكملها.

وهذا يعني أن أمن الطاقة الخليجي يدخل مرحلة جديدة، يصبح فيها الدفاع عن الموانئ وخطوط الأنابيب والمصافي ومحطات التخزين جزءًا لا ينفصل عن الدفاع عن الحدود والممرات البحرية.

فإذا كان هرمز هو عنق الزجاجة التقليدي، فإن الحرب الحالية تحاول تحويل كامل البنية التحتية للطاقة إلى مساحة ضغط.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أميركا تتراجع والسعودية تتحرك.. ماذا يحدث للاقتصاد العالمي؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

ماذا يعني ذلك للسعودية؟

بالنسبة إلى السعودية، المعادلة حساسة بصورة خاصة.

المملكة هي أكبر مصدر للنفط في العالم، وأي اضطراب مستمر في منشآتها لا ينعكس على السوق المحلية فقط، بل يمكن أن ينتقل سريعًا إلى أسعار النفط العالمية.

لكن السعودية تمتلك في الوقت نفسه ميزة استراتيجية مهمة: تعدد منافذها وقدرتها على استخدام الساحل الغربي وموانئ البحر الأحمر لتقليل الاعتماد الكامل على الخليج العربي.

ولهذا فإن استهداف جازان لا يعني أن السعودية فقدت قدرتها على تصدير النفط، لكنه يوضح أن حماية البدائل أصبحت بحد ذاتها جزءًا من المعركة.

وهنا قد نشهد في المرحلة المقبلة تسارعًا في الاستثمار في حماية البنية التحتية، وتوسيع الطاقة التخزينية، وتأمين خطوط النقل، وربما إعادة توزيع بعض العمليات الاستراتيجية بعيدًا عن المناطق الأكثر عرضة للتهديد.

المعركة الحقيقية قد تكون على «مرونة الطاقة»

ما يحدث بين هرمز وجازان يكشف تحولًا أعمق في الحرب.

في السابق، كان السؤال: هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟

أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث إذا لم يُغلق هرمز، لكنه أصبح أقل أمانًا، وفي الوقت نفسه تعرضت منشآت الطاقة في الخليج لهجمات متكررة؟

عندها لا تحتاج إيران أو حلفاؤها إلى إيقاف تدفق النفط بالكامل حتى تحدث أزمة.

يكفي أن تصبح عملية إنتاجه ونقله وتأمينه أكثر صعوبة وكلفة.

وهذا ما بدأت الأسواق تستوعبه بالفعل.

فقد لا تكون المعركة المقبلة على النفط الموجود تحت الأرض، بل على القدرة على إخراجه ونقله وحمايته.

وبين هرمز وجازان، تبدو خريطة أمن الطاقة في الخليج أمام اختبار جديد: السعودية تحاول الحفاظ على استقرار صادراتها، دول الخليج تبحث عن طرق أكثر تنوعًا، والأسواق العالمية تراقب كل منشأة وميناء وناقلة باعتبارها حلقة محتملة في سلسلة الإمداد.

والسؤال الذي سيحدد اتجاه المرحلة المقبلة ليس فقط: هل تستطيع إيران وحلفاؤها ضرب الطاقة الخليجية؟

بل: هل تستطيع دول الخليج بناء منظومة طاقة قادرة على امتصاص هذه الضربات دون أن يتحول كل هجوم جديد إلى أزمة نفط عالمية؟

محور الحدث

محور الحدث

منصة عربية مستقلة متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات معمقة للأحداث الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضا": إيران تضرب مواقع أميركية في الكويت.. هل انتقلت الحرب إلى قلب الخليج؟

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال