أميركا تتراجع والسعودية تتحرك.. ماذا يحدث للاقتصاد العالمي؟

 الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد.. والسعودية تتحرك في الاتجاه المعاكس

لم يعد السؤال الاقتصادي العالمي اليوم هو: هل توجد ضغوط؟ بل أصبح: أي الاقتصادات أكثر قدرة على امتصاصها؟

ففي وقت تكشف فيه البيانات الأميركية عن تراجع غير متوقع في الإنفاق على مشروعات التشييد، وتعيش الأسواق الأوروبية تحت ضغط التضخم وعوائد السندات وارتفاع أسعار الطاقة، تظهر السوق السعودية بصورة مختلفة، مع ضخ المؤسسات المحلية نحو 928.59 مليون دولار في سوق الأسهم خلال أغسطس.

يجب بناء منظومة دولية أكثر متانة لمعالجة تحديات الديون

وفي الخلفية، جاءت رسائل وزير المالية السعودي محمد بن عبدالله الجدعان أمام مجموعة العشرين لتضع عنوانًا أوسع للمشهد: تنويع الإنتاج، المخزونات، والبنية التحتية ذات الطاقة الاستيعابية الاحتياطية باتت عناصر أساسية للصمود أمام الصدمات.

فهل نحن أمام تباين مؤقت بين الاقتصادات، أم أن العالم بدأ يدخل مرحلة جديدة تتغير فيها قواعد الصمود الاقتصادي؟


أميركا تبدأ بإظهار علامات التباطؤ

أظهرت بيانات وزارة التجارة الأميركية تراجع الإنفاق على مشروعات التشييد في يوليو 2026 بنسبة 0.5%، ليصل إلى ما يعادل 2.158 تريليون دولار سنويًا، بعد استقراره في يونيو عند 2.168 تريليون دولار وفق البيانات المعدلة.

المفاجأة لم تكن في التراجع وحده، بل في أنه جاء عكس توقعات المحللين الذين كانوا يرجحون ارتفاع الإنفاق بنسبة 0.1% خلال يوليو، بعد انخفاض أولي بنسبة 0.1% في الشهر السابق.

وكان القطاع السكني أبرز مصادر الضغط.

فقد انخفض الإنفاق على مشروعات التشييد السكنية بنسبة 1.3% إلى ما يعادل 859 مليار دولار سنويًا، بينما ارتفع الإنفاق على المشروعات غير السكنية بنسبة 0.4% إلى 755.2 مليار دولار.

أما الإنفاق على مشروعات التشييد الخاصة فتراجع بنسبة 0.5% إلى 1.614 تريليون دولار سنويًا، مقابل 1.623 تريليون دولار في يونيو.

وهنا تظهر إشارة اقتصادية تستحق المتابعة: عندما يتراجع النشاط السكني، هل يكون ذلك مجرد تصحيح في سوق العقارات، أم انعكاسًا لضغوط أوسع على تكلفة التمويل والطلب؟


الإنفاق الحكومي لا يعوض التراجع بالكامل

حتى القطاع العام لم يكن بمنأى عن التراجع.

فقد انخفض الإنفاق على مشروعات التشييد العامة بنسبة 0.2% إلى ما يعادل 543.4 مليار دولار خلال يوليو، مقارنة مع 544.7 مليار دولار في يونيو.

كما تراجع الإنفاق على المشروعات التعليمية ومشروعات الطرق السريعة بنسبة 0.2% لكل منهما، إلى ما يعادل 112.3 مليار دولار و150.3 مليار دولار سنويًا على التوالي.

وهذا يطرح سؤالًا أكبر من أرقام شهر واحد:

إذا كان الاقتصاد الأميركي يعتمد على الاستثمار والاستهلاك والبنية التحتية للحفاظ على زخمه، فماذا يحدث عندما تبدأ تكلفة التمويل والطاقة والديون بالضغط في الوقت نفسه؟


أوروبا تواجه معادلة أصعب: النفط والتضخم والفائدة

على الجانب الآخر من الأطلسي، كانت الأسواق الأوروبية تواجه ضغوطًا من نوع مختلف.

فقد تحرك مؤشر ستوكس 600 قرب أدنى مستوياته في شهر، بينما تراجع مؤشر داكس الألماني بنسبة 0.2%.

لكن العامل الأكثر حساسية كان في سوق السندات.

فقد ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ أبريل 2011، بالتزامن مع ارتفاع المخاوف من أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى إعادة إشعال التضخم.

وتزامن ذلك مع عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران هذا الأسبوع، الأمر الذي دفع خام برنت إلى تجاوز 95 دولارًا للبرميل، مسجلًا أعلى مستوى له في ستة أسابيع.

وهنا تتعقد مهمة البنوك المركزية.

فارتفاع النفط يضغط على التضخم، وارتفاع التضخم يضغط على أسعار الفائدة، وارتفاع الفائدة يرفع تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأسر.

وبحسب بيانات جمعتها مجموعة بورصات لندن، ارتفعت تقديرات المستثمرين لاحتمال رفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع إلى 3% بحلول مارس 2027 إلى نحو 40%، مقارنة مع 25% في الأسبوع السابق.

فهل يستطيع الاقتصاد الأوروبي تحمل أسعار طاقة مرتفعة وفائدة أعلى في الوقت نفسه؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
مخزونات النفط تتآكل.. والخليج يستعد لمرحلة ما بعد الصدمة
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


الأسواق الأوروبية تكشف القصة الأعمق

لم يكن الضغط موزعًا بالتساوي بين القطاعات.

فقد هبط سهم لوتوماتيكا بنسبة 6.3% وتوقف تداوله مؤقتًا بعد إعلان شركة المراهنات الإيطالية الاستحواذ على شركة ثيرسا الإسبانية بهدف تأسيس كيان مشترك.

كما تصدر قطاع الإعلام خسائر القطاعات الأوروبية بتراجع بلغ 1.5%.

في المقابل، ارتفعت أسهم الاتصالات، وصعد سهم نوكيا بنحو 2% بعد إعلان الشركة الفنلندية عودتها إلى مؤشر يورو ستوكس 50.

المشهد إذن ليس انهيارًا شاملًا، وإنما إعادة تسعير للمخاطر.

وهذه نقطة مهمة؛ فالأسواق لا تتحرك فقط بناءً على ما يحدث اليوم، وإنما بناءً على ما تتوقع حدوثه غدًا.


السعودية.. الأموال المحلية تدعم «تاسي»

في الوقت الذي تتعرض فيه الأسواق العالمية لضغوط مختلفة، شهدت السوق السعودية خلال أغسطس اتجاهًا أكثر تماسكًا.

فقد سجلت المؤسسات السعودية صافي مشتريات في السوق الرئيسية «تاسي» بقيمة 928.59 مليون دولار، ما يعادل 3.48 مليار ريال.

وبلغت مشترياتها الإجمالية خلال الشهر 4.4 مليار دولار، مقابل مبيعات بلغت 3.47 مليار دولار.

وكانت الشركات في مقدمة المؤسسات الأكثر شراءً بصافي 783.61 مليون دولار، تلتها الصناديق الاستثمارية بصافي 140.09 مليون دولار، ثم الجهات الحكومية بصافي 29.15 مليون دولار.

لكن الصورة تصبح أكثر وضوحًا عند مقارنة المؤسسات بالأفراد.

فالمستثمرون السعوديون الأفراد سجلوا صافي بيع بلغ 726.57 مليون دولار، إذ بلغت مشترياتهم 13.63 مليار دولار مقابل مبيعات بلغت 14.35 مليار دولار.

ومع ذلك، سجل إجمالي تعاملات المستثمرين السعوديين، أفرادًا ومؤسسات، صافي شراء بقيمة 202.02 مليون دولار، بعد مشتريات بلغت 18.03 مليار دولار ومبيعات عند 17.82 مليار دولار.

هل يعني ذلك أن المؤسسات المحلية ترى في السوق فرصًا لا يراها المستثمر الفرد؟ أم أن تحركات المؤسسات تعكس استراتيجية طويلة الأجل أكثر من كونها رهانات قصيرة الأجل؟


الخليجيون يشترون.. والأجانب يميلون إلى البيع

لم تكن المؤسسات السعودية وحدها في جانب الشراء.

فالمستثمرون الخليجيون سجلوا خلال أغسطس صافي شراء بلغ 79.63 مليون دولار (298.63 مليون ريال)، بدعم من المؤسسات والمحافظ المدارة.

وبلغت مشتريات الخليجيين الإجمالية 608.46 مليون دولار، مقابل مبيعات بلغت 528.83 مليون دولار.

وسجلت المؤسسات الخليجية صافي شراء بلغ 73.99 مليون دولار، بينما سجلت المحافظ المدارة صافي شراء قدره 12.56 مليون دولار.

في المقابل، اتخذ المستثمرون الأجانب الاتجاه المعاكس.

فقد سجلوا صافي بيع بلغ 281.66 مليون دولار (1.06 مليار ريال)، بعد مشتريات بقيمة 11.35 مليار دولار ومبيعات بلغت 11.63 مليار دولار.

وسجلت المؤسسات الأجنبية صافي بيع قدره 256.39 مليون دولار، والأفراد 26.69 مليون دولار، والمحافظ المدارة 5.66 مليون دولار.

وبصورة إجمالية، سجل المستثمر المؤسسي في السوق السعودية صافي شراء قدره 704.53 مليون دولار، بينما مالت تعاملات المستثمر غير المؤسسي للبيع بالقيمة نفسها.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية:

هل خروج جزء من الأموال الأجنبية من «تاسي» يعكس تشددًا عالميًا في إدارة المخاطر، بينما يمثل الشراء المؤسسي المحلي عامل استقرار للسوق؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
دبي... المدينة التي بنت المستقبل قبل أن يصل سكانه
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


الجدعان يضع وصفة مختلفة للصمود الاقتصادي

في اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في مدينة آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية يومي 31 أغسطس و1 سبتمبر 2026، قدم وزير المالية السعودي محمد بن عبدالله الجدعان رؤية تتجاوز التعامل مع الأزمة بعد وقوعها.

وأكد أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة على الصمود أمام الصدمات، لكنه أصبح في الوقت نفسه أكثر عرضة للمخاطر.

ومن هنا شدد على أهمية تنويع بدائل الإنتاج، وضمان توافر المخزونات، والحفاظ على بنية تحتية ذات طاقة استيعابية احتياطية.

الفكرة الأساسية هنا أن الاقتصاد لا ينبغي أن ينتظر الأزمة حتى يبدأ في البحث عن البدائل.

فوجود مورد واحد، أو طريق واحد، أو سلسلة إمداد واحدة، أو قدرة إنتاجية بلا احتياطي، يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف عندما تقع الصدمة.

وهل يمكن أن يصبح الاستثمار في الطاقة الاحتياطية والمخزونات والبنية التحتية نوعًا من التأمين الاقتصادي للدول؟


النمو والديون.. المشكلة التي لا يمكن تأجيلها

في جلسة النمو، أكد الجدعان أن القيود التي تحد من النمو تختلف من اقتصاد إلى آخر وتتغير مع مراحل التطور الاقتصادي.

وبالتالي، فإن تعزيز النمو المستدام يتطلب تحديد القيود الأكثر تأثيرًا في كل مرحلة، ثم تكييف السياسات والإصلاحات وفقًا لطبيعة هذه التحديات.

أما في ملف الديون السيادية، فكانت الرسالة أكثر مباشرة.

فبناء منظومة دولية أكثر متانة لمعالجة تحديات الديون لا يقتصر على إدارة أزمات الدول الهشة، وإنما يتطلب أيضًا الحد من تراكم الديون التي لا تحقق عوائد اقتصادية وتنموية مستدامة.

كما شدد على أهمية قدرة الدول على تقييم احتياجاتها التمويلية وإدارة استدامة ديونها، لمنع تحول ضغوط السيولة إلى أزمات ديون أعمق.

وهنا تلتقي الرسالة السعودية مع المخاوف التي تضغط على الأسواق العالمية:

إذا ارتفعت أسعار الفائدة والطاقة معًا، فمن سيدفع فاتورة الديون المتراكمة؟


الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة الاقتصاد العالمي

لم يقتصر النقاش في اجتماعات مجموعة العشرين على التضخم والديون والنمو.

ففي جلسة حوارية مغلقة، تبادل الجدعان ووزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية وجهات النظر مع قيادات من القطاع الخاص في مجال الذكاء الاصطناعي، باعتباره محركًا للابتكار والإنتاجية والنمو الاقتصادي.

وهذه النقطة تحمل دلالة مهمة.

فالاقتصاد العالمي لا يبحث فقط عن كيفية تجاوز الصدمات الحالية، بل عن مصادر جديدة للإنتاجية تستطيع تخفيف أثر ارتفاع التكاليف وتحسين قدرة الاقتصادات على النمو.

وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي كجزء من معادلة المنافسة الاقتصادية المقبلة، وليس مجرد قطاع تقني منفصل.


من أميركا إلى أوروبا ثم السعودية.. ماذا تقول الصورة؟

عند وضع الأرقام جنبًا إلى جنب، تظهر صورة أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع أو انخفاض في الأسواق.

أميركا: تراجع في الإنفاق على التشييد، تقوده المشاريع السكنية.

أوروبا: أسواق تحت ضغط عوائد السندات ومخاوف التضخم المرتبط بالطاقة.

السعودية: المؤسسات المحلية تضخ أموالًا في «تاسي»، بينما يميل المستثمرون الأجانب إلى البيع.

مجموعة العشرين: تحذيرات من هشاشة الاقتصاد العالمي، ودعوة إلى تنويع الإنتاج والمخزونات والبنية التحتية وإدارة الديون.

هذه ليست بالضرورة مؤشرات على انتقال مركز القوة الاقتصادية من منطقة إلى أخرى، لكنّها تكشف تحولًا مهمًا في طريقة إدارة المخاطر.

ففي عالم أصبح أكثر عرضة لصدمات الطاقة وسلاسل الإمداد والتمويل، قد لا يكون الاقتصاد الأقوى هو صاحب النمو الأعلى فقط، بل صاحب البدائل الأكثر جاهزية عندما تتغير الظروف.

وهنا ربما يكون السؤال الأهم:

إذا كان العالم يدخل مرحلة تتكرر فيها الصدمات، فهل تصبح القدرة على الصمود أهم من سرعة النمو؟

والإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل المنافسة الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
الأسهم السعودية تواصل الصعود.. ماذا تكشف تحركات المستثمرين المحليين والأجانب؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━


الخلاصة

المشهد الاقتصادي في سبتمبر 2026 لا يقدم قصة واحدة.

هناك تباطؤ في بعض مكونات الاقتصاد الأميركي، وضغوط تضخمية ومالية في أوروبا، وحركة مختلفة للأموال داخل السوق السعودية، ورسالة سعودية واضحة في مجموعة العشرين حول بناء اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات بدل انتظارها.

لكن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد.

فإذا بقيت أسعار الطاقة مرتفعة، واستمرت تكاليف التمويل في الصعود، وبقيت الديون العالمية عند مستويات مرتفعة، فإن السؤال لن يكون من يملك أكبر اقتصاد، بل:

من يملك أكبر هامش للمناورة عندما تضيق الخيارات؟

وهذه تحديدًا قد تكون المعركة الاقتصادية الأهم في المرحلة المقبلة.

محور الحدث

محور الحدث

منصة عربية مستقلة متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات معمقة للأحداث الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضا": مضيق هرمز يُغلق.. من يربح مليارات الأزمة ومن يدفع الثمن؟

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال