واشنطن تحتفل بالاتفاق، لكن طهران تبدو الأكثر ارتياحاً لنتائجه.
هذه ليست ملاحظة عابرة، بل السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه بعد الإعلان عن التفاهم الأميركي الإيراني الأخير. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يصف الاتفاق بأنه انتصار كامل للولايات المتحدة، بينما يرى منتقدوه أن إيران خرجت منه بأكثر مما كانت تحلم به قبل سنوات قليلة.
فبعد مرحلة طويلة من العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية والضغوط السياسية، تجد طهران نفسها اليوم أمام فرصة لاستعادة مليارات الدولارات المجمدة وتخفيف القيود التي أثقلت اقتصادها، من دون أن تقدم، حتى الآن، ما يوازي هذه المكاسب على مستوى الملفات التي تشكل جوهر الأزمة في الشرق الأوسط.
وهنا تبدأ علامات الاستفهام.
الاتفاق عالج الملف النووي.. لكنه تجاهل ما هو أخطر
منذ سنوات، تعاملت الإدارات الأميركية المتعاقبة مع إيران من زاوية الملف النووي باعتباره التهديد الأكبر. لكن النفوذ الإيراني في المنطقة لم يُبنَ عبر أجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم فقط.
لقد بُني عبر شبكة واسعة من النفوذ السياسي والعسكري امتدت على مدار عقود في أكثر من ساحة إقليمية، من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن.
لهذا يرى معارضو الاتفاق أن التركيز على الملف النووي وحده يشبه معالجة أعراض المرض وترك أسبابه الحقيقية دون علاج.
فإذا كان الهدف النهائي هو تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، فإن السؤال المنطقي يصبح: ماذا عن بقية الملفات؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
بين شعارات طهران وواقعية الرياض.. من يعيد رسم الشرق الأوسط؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
المال يعود إلى إيران.. لكن في المقابل ماذا قدمت؟
في السياسة الدولية لا توجد أموال بلا ثمن.
وأي تخفيف للعقوبات أو إعادة للأموال المجمدة يعني عملياً منح الاقتصاد الإيراني فرصة جديدة للتعافي واستعادة جزء من قدرته على الحركة والتأثير.
لكن ما الذي حصلت عليه واشنطن مقابل ذلك؟
هل وافقت إيران على تقليص نفوذها الإقليمي؟
هل التزمت بإعادة النظر في استراتيجيتها تجاه المنطقة؟
هل قدمت ضمانات واضحة تتعلق بالصواريخ الباليستية؟
حتى الآن، لا تبدو الإجابات على هذه الأسئلة بالحجم الذي يبرر حجم المكاسب الاقتصادية المحتملة التي ستحصل عليها طهران.
ولهذا تحديداً يتصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة نفسها.
غضب في واشنطن قبل الشرق الأوسط
اللافت أن الاعتراض على الاتفاق لم يأتِ فقط من خصوم إيران في المنطقة، بل من داخل واشنطن نفسها.
فشخصيات جمهورية بارزة وأعضاء في الكونغرس اعتبروا أن الاتفاق يمنح النظام الإيراني متنفساً اقتصادياً كبيراً قبل الحصول على ضمانات حقيقية بشأن الملفات التي تثير القلق منذ سنوات.
ويخشى هؤلاء أن يتكرر السيناريو ذاته الذي شهدته المنطقة سابقاً، عندما تم التعويل على أن الانفتاح الاقتصادي سيؤدي تلقائياً إلى تغيير السلوك السياسي، بينما جاءت النتائج مختلفة تماماً.
ماذا عن حزب الله؟
لعل أكثر ما يلفت الانتباه في الاتفاق هو غياب الحديث الواضح عن أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة: حزب الله.
فإذا كان الهدف من التفاهم تخفيف التوترات الإقليمية، فمن الطبيعي أن يتساءل المراقبون عن موقع الحزب من هذه المعادلة الجديدة.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على وجود التزامات تتعلق بمستقبل الحزب أو بدوره العسكري أو بطبيعة العلاقة التي تربطه بطهران.
وهذا ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن الاتفاق ركز على إدارة الأزمة النووية، لكنه ترك الملفات المرتبطة بالنفوذ الإقليمي معلقة من دون حلول واضحة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
إسناد ملف حزب الله إلى سوريا... هل تبحث واشنطن عن وكيل إقليمي جديد؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
هدوء مؤقت أم خطأ استراتيجي؟
قد ينجح الاتفاق في تجنب مواجهة عسكرية واسعة.
وقد يمنح المنطقة فترة من الهدوء النسبي.
وقد يوفر فرصة جديدة للمسار الدبلوماسي.
لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الأهم: هل تغيرت المعادلات التي أدت إلى الأزمة أصلاً؟
منتقدو الاتفاق لا يخشون من التفاوض مع إيران، بل من أن يتحول التفاوض إلى عملية تمنح المكافآت قبل التأكد من تغيير السلوك.
فإذا استعادت طهران أموالها وقدرتها الاقتصادية، بينما بقيت ملفات النفوذ والصواريخ والتوازنات الإقليمية على حالها، فإن الشرق الأوسط قد يجد نفسه بعد سنوات أمام إيران أقوى مالياً وسياسياً، من دون أن تكون أسباب الصراع قد اختفت.
الخلاصة
المشكلة في الاتفاق الأميركي الإيراني لا تكمن في الحوار أو الدبلوماسية، بل في الأولويات التي بُني عليها.
فالولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت معالجة الملف النووي وتأجيل الملفات الأخرى إلى وقت لاحق، رغم أن هذه الملفات هي التي تشكل مصدر القلق الرئيسي لكثير من دول المنطقة.
ولهذا لن يكون الحكم الحقيقي على الاتفاق اليوم، ولا بعد أسابيع أو أشهر.
الحكم الحقيقي سيأتي لاحقاً، عندما يتضح ما إذا كانت واشنطن قد نجحت فعلاً في احتواء إيران، أم أنها منحتها فرصة جديدة لاستعادة قوتها ونفوذها تحت غطاء اتفاق قُدِّم على أنه انتصار دبلوماسي، بينما قد يكتشف الجميع لاحقاً أنه كان مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة جديدة من الصراع.

