لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية تتحرك وفق خطوط الجبهة وحدها.
فمع تعثر المفاوضات واستمرار الجمود الميداني، نقلت موسكو وكييف المواجهة بصورة متزايدة إلى العمق، عبر الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، مستهدفتين منشآت عسكرية وطاقة وموانئ ومواقع صناعية، فيما بدأت تداعيات حرب المسيّرات تتجاوز حدود البلدين.
في الساعات الأخيرة، تعرضت كييف لضربات روسية بالصواريخ الباليستية، بينما واجهت موسكو واحدة من أكبر موجات هجمات المسيّرات التي أعلنت عنها السلطات الروسية، بالتزامن مع ضربات طالت أوديسا وكريفي ريغ ومنشآت أخرى داخل أوكرانيا.
وفي المقابل، وسعت كييف عملياتها داخل الأراضي الروسية، مستهدفة مواقع عسكرية ومنشآت طاقة وصناعات فضائية ومرافق اقتصادية.
فهل دخلت الحرب فعلاً مرحلة «العمق مقابل العمق»؟
كييف تحت الصواريخ.. وكريفي ريغ تدفع الثمن
دوت انفجارات في العاصمة الأوكرانية كييف في وقت مبكر الأحد، بعدما تعرضت لهجوم روسي بالصواريخ الباليستية، وفق السلطات المحلية.
وقال رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو إن العاصمة تعرضت لهجوم صاروخي، فيما اندلعت حرائق في ثلاثة مواقع طالت مباني غير سكنية.
وأصيب شخص واحد على الأقل في الهجوم، بحسب تقرير أولي للإدارة العسكرية المحلية، التي دعت السكان إلى الاحتماء في الملاجئ.
لكن الضربات لم تتوقف عند العاصمة.
ففي كريفي ريغ، مسقط رأس الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، تعرضت منشأتان صناعيتان لضربات روسية، فيما أُعلن عن مقتل شخص وإصابة ستة آخرين.
وفي هجوم آخر، أصابت الضربات الروسية مصنع «أرسيلور ميتال» للصلب في المدينة، ما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة 14 آخرين، وتعليق جزء من عمليات الشركة بعد تعرض منشآتها الرئيسية لأضرار.
وفي زابوريجيا قُتل شخصان، بينما سُجل قتيل آخر في منطقة سومي الحدودية.
أما في كييف، فأصابت إحدى الضربات سوقاً شعبية للكتب في منطقة بوتشاينا، ما أدى إلى احتراق أكشاك وممتلكات تجارية.
هذه التفاصيل تكشف جانباً آخر من الحرب: كلما اتسعت الضربات في العمق، أصبح الفصل بين الأهداف العسكرية والبنية المدنية أكثر صعوبة، وارتفعت الكلفة على السكان.
موسكو تحت هجوم بـ600 مسيّرة
في المقابل، تعرضت منطقة موسكو لهجوم جوي واسع باستخدام الطائرات المسيّرة.
وقال رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين إن نحو 600 مسيّرة كانت تتجه نحو منطقة موسكو منذ مساء اليوم السابق وحتى الساعة 6:30 صباحاً، مشيراً إلى تدمير 201 منها.
وأدى الهجوم، بحسب السلطات الروسية، إلى سقوط ثلاثة جرحى.
وفي هجوم منفصل أوسع نطاقاً، أعلنت وزارة الدفاع الروسية اعتراض 822 طائرة مسيّرة خلال الليل، فيما وصف حاكم منطقة موسكو الهجوم بأنه أحد أضخم هجمات المسيّرات في الذاكرة الحديثة.
كما قُتل خمسة أشخاص في منطقة روستوف جراء هجمات مسيّرة استهدفت منطقة سكنية، وسقط قتيلان آخران في بيلغورود وموسكو، وفق السلطات الروسية.
الأرقام المختلفة تعكس فترات ومناطق رصد مختلفة، لكنها تشير في مجملها إلى حجم متزايد من الهجمات الجوية الأوكرانية على العمق الروسي.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:
إذا أصبحت مئات المسيّرات قادرة على الوصول إلى محيط موسكو، فهل تستطيع روسيا حماية عمقها الاقتصادي والعسكري بنفس الكفاءة التي تحاول بها حماية خطوط الجبهة؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أكبر هجوم بالمسيرات بين روسيا وأوكرانيا قبيل لقاء ترمب وزيلينسكي
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
أوكرانيا تضرب أوديسا.. وروسيا تستهدف الموانئ
في الجنوب الأوكراني، أعلنت وزارة الدفاع الروسية استهداف بنية تحتية تستخدمها القوات الأوكرانية في ميناء أوديسا.
وقالت موسكو إن طائرات مسيّرة هجومية ضربت مستودعات تضم معدات عسكرية مخصصة للقوات المسلحة الأوكرانية.
وكانت روسيا قد أعلنت قبل ذلك استهداف بنية تحتية تستخدمها القوات الأوكرانية في ميناءي أوديسا ويوجني.
ويأتي ذلك في سياق تصعيد روسي لاستهداف المنشآت البحرية الأوكرانية، بالتزامن مع اعتماد كييف المتزايد على المسيّرات لضرب مواقع روسية بعيدة.
وبذلك تتحول الموانئ والمنشآت المرتبطة بها إلى جزء من معركة الاستنزاف.
هل تحاول موسكو تعطيل قدرة أوكرانيا على استقبال ونقل المعدات؟ وهل تريد كييف، في المقابل، إضعاف الاقتصاد الروسي عبر استهداف منشآت الطاقة والتجارة؟
كييف تنقل الحرب إلى قلب روسيا
التحول الأكثر أهمية في المواجهة يظهر في طبيعة الأهداف الأوكرانية داخل روسيا.
فقد أعلنت كييف تنفيذ ضربات صاروخية عميقة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت للطاقة والصناعات الفضائية.
وقال زيلينسكي إن صواريخ «فلامينغو» بعيدة المدى استهدفت قاعدة سافاسليكا الجوية في غرب روسيا، على بعد نحو 435 ميلاً من الحدود الأوكرانية.
وتضم القاعدة طائرات مقاتلة من طراز MiG-31 قادرة على حمل صواريخ باليستية تستخدم في ضرب المدن والقرى الأوكرانية، فيما لم يتضح عدد الطائرات التي تضررت جراء الهجوم.
وفي سامارا، استهدفت ضربة أوكرانية مركز «بروجريس» للصواريخ والفضاء، التابع لشركة «روسكوسموس» الحكومية الروسية.
كما أعلنت كييف استهداف منشأة نفطية في أوست-لوغا، على بعد نحو 500 ميل من الحدود الأوكرانية، ما أدى إلى اندلاع حريق فيها.
وبحسب زيلينسكي، فإن تقليص القدرات العسكرية والاقتصادية الروسية يمثل هدفاً رئيسياً لهذه الضربات.
وهنا تتغير طبيعة المعركة:
لم تعد كييف تحاول فقط منع روسيا من التقدم على الجبهة، بل تسعى إلى جعل الحرب نفسها أكثر كلفة داخل الأراضي الروسية.
موسكو ترد بالأرقام الثقيلة
في المقابل، قالت وزارة الدفاع الروسية إن أوكرانيا أطلقت خلال اليوم السابق ما لا يقل عن 7 قنابل موجهة و17 صاروخاً من طراز فلامينغو و1328 طائرة مسيّرة.
وردت روسيا بإطلاق 152 طائرة مسيّرة من طراز «شاهد» باتجاه الأراضي الأوكرانية، ما أدى إلى مقتل طفل يبلغ من العمر ثلاثة أشهر في دنيبرو وإصابة 49 شخصاً في مناطق مختلفة، وفق المعطيات الواردة.
كما تكثف موسكو استخدام الصواريخ بعيدة المدى.
وبحسب تحليل لوكالة الصحافة الفرنسية استند إلى التقارير اليومية للقوات الجوية الأوكرانية، أطلقت روسيا عدداً قياسياً من الصواريخ على أوكرانيا خلال يوليو.
وهذا يفسر جزئياً الضغط المتزايد الذي تمارسه كييف على الولايات المتحدة للحصول على مزيد من منظومات الدفاع الجوي، في وقت تواجه فيه نقصاً في الصواريخ الاعتراضية.
يوليو.. الشهر الأكثر دموية منذ 2022
المشكلة لا تقاس فقط بعدد الصواريخ والمسيّرات.
فوفق بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا، كان يوليو الشهر الأكثر دموية بالنسبة للمدنيين في أوكرانيا منذ مايو 2022.
وسجل الشهر 437 قتيلاً و2610 جرحى.
وفي كييف وحدها، قُتل ما لا يقل عن 54 شخصاً وأصيب 202 آخرون.
ومع بداية العام، سجلت الأمم المتحدة 12477 ضحية مدنية في أوكرانيا، بينهم 1839 قتيلاً و10638 جريحاً، بزيادة قدرها 44% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وأكثر من ضعف الرقم المسجل عام 2024.
وفي روسيا، أعلنت السلطات مقتل 79 مدنياً خلال يوليو.
الأرقام هنا تفرض سؤالاً يتجاوز المعركة العسكرية:
إذا كانت الضربات بعيدة المدى لا تحسم الحرب، فلماذا يزداد استخدامها؟
الإجابة قد تكون في محاولة كل طرف رفع كلفة الحرب على الطرف الآخر إلى درجة تجبره على تغيير حساباته السياسية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
عودة الصواريخ الكورية الشمالية تشعل أخطر تصعيد بين روسيا وأوكرانيا
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
43 ألف خسارة روسية في شهر واحد
على الجبهة البرية، تقول وزارة الدفاع الأوكرانية إن القوات الروسية تكبدت خلال يوليو 42,860 جندياً بين قتيل وجريح.
وبحسب الوزارة، كانت هذه أعلى حصيلة شهرية منذ يناير 2025، ورابع أكثر الأشهر دموية منذ بدء الحرب عام 2022.
وتقترب الخسائر الروسية، وفق التقديرات الأوكرانية، من 1.5 مليون عسكري منذ بداية الحرب.
لكن هذه الأرقام تبقى تقديرات صادرة عن طرف في الحرب، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حصيلة مستقلة نهائية.
وتشير التقارير إلى أن موسكو تواجه صعوبات متزايدة في تجنيد قوات جديدة، ما دفعها إلى تقديم حوافز ووعود للمواطنين الروس للانضمام إلى الحرب، إضافة إلى تجنيد مقاتلين من دول أفريقية.
إذا استمرت أزمة القوى البشرية، فهل تتحول الخسائر العسكرية الروسية إلى عامل ضغط سياسي على الكرملين؟
وهل يمكن أن تدفع موسكو، في مرحلة معينة، نحو مفاوضات أكثر جدية إذا أصبح الحفاظ على حجم القوات أكثر صعوبة؟
كوريا الشمالية تدخل الحسابات
في موازاة ذلك، تبرز كوريا الشمالية كعامل إضافي في معادلة القوى البشرية.
وتقول أوكرانيا إن بيونغ يانغ تستعد لإرسال ما بين 30 ألفاً و50 ألف جندي إلى روسيا، بعد إرسال نحو 15 ألف جندي في عام 2024، وفق المعطيات الواردة.
إذا صحت هذه التقديرات، فإن الدعم الكوري الشمالي لا يتعلق بالسلاح فقط، بل بالقوة البشرية أيضاً.
وهذا يطرح سؤالاً أوسع:
إلى أي حد تستطيع روسيا تعويض استنزاف قواتها عبر الحلفاء، وهل تتحول الحرب الأوكرانية تدريجياً إلى مواجهة تعتمد فيها موسكو وكييف على شبكات دعم دولية متزايدة؟
أوكرانيا تستعيد أرضاً.. ولكن بأي ثمن؟
في الجبهة الجنوبية، أعلنت كييف استعادة نحو 300 ميل مربع من الأراضي والسيطرة على 26 تجمعاً سكانياً، مع دفع القوات الروسية إلى التراجع أكثر من سبعة أميال في القطاع الممتد قرب نقطة التقاء مناطق دنيبرو ودونيتسك وزابوريجيا.
وتعتمد القوات الأوكرانية، بحسب المعطيات الواردة، على هجمات محدودة ومتكررة بهدف استنزاف السيطرة الروسية تدريجياً.
لكن هذه المكاسب لا تعني بالضرورة تحولاً استراتيجياً شاملاً.
فالجبهة لا تزال تشهد حالة من الجمود في قطاعات واسعة، فيما تترافق التحركات البرية مع تصعيد متبادل بعيداً عن خطوط المواجهة.
وهنا يمكن قراءة الاستراتيجية الأوكرانية باعتبارها محاولة لفتح أكثر من جبهة ضغط في الوقت نفسه: استنزاف القوات الروسية على الأرض، وضرب القواعد والمنشآت في العمق، واستهداف الاقتصاد المرتبط بالحرب.
من الجبهة إلى أوروبا
التطور الأكثر حساسية أن حرب المسيّرات بدأت تتجاوز حدود روسيا وأوكرانيا.
فقد أعلنت رومانيا أن مقاتلة إسبانية من طراز F-18 أسقطت مسيرة اخترقت المجال الجوي الروماني قرب الحدود مع أوكرانيا ومولدافيا، وسقط حطامها في منطقة غير مأهولة بإقليم غالاتي.
كما أعلن حلف شمال الأطلسي أن مقاتلاته أسقطت مسيرة دخلت المجال الجوي اللاتفي، في ثاني حادث من هذا النوع خلال أسبوع، وفق المعطيات الواردة.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
ماذا يحدث إذا لم تعد المسيّرات قادرة على التمييز بين حدود الحرب وحدود الدول المجاورة؟
فأي حادث جديد داخل أراضي دولة عضو في الناتو قد يرفع مستوى المخاطر السياسية والعسكرية بصورة كبيرة، حتى لو لم يكن مقصوداً.
حرب اقتصادية فوق حرب عسكرية
لم تعد المنشآت العسكرية وحدها أهدافاً.
فمنذ منتصف يوليو، استهدفت أوكرانيا نحو 20 مستودعاً ومبنى تابعاً لشركة «وايلدبيريز» الروسية للبيع بالتجزئة، وقالت كييف إنها ترد بذلك على الضربات الروسية للمدن والبنية التحتية الأوكرانية.
كما اندلع حريق في أحد مستودعات الشركة إثر هجوم جديد قرب موسكو.
وبالتوازي، تركز كييف على مصافي النفط والمنشآت المرتبطة بالطاقة، باعتبارها جزءاً من الاقتصاد الذي يمول الحرب.
أما روسيا، فتواصل استهداف منشآت وموانئ وبنى تحتية داخل أوكرانيا.
وهكذا أصبحت المعركة الاقتصادية امتداداً مباشراً للمعركة العسكرية.
هل يمكن إضعاف قدرة دولة على مواصلة الحرب من خلال ضرب اقتصادها، أم أن هذه الاستراتيجية ستدفع الطرف الآخر إلى تصعيد أكبر بدلاً من التراجع؟
الحرب تدخل اختباراً جديداً
الصورة الكاملة أكثر وضوحاً الآن.
روسيا تضرب كييف بالصواريخ الباليستية، وتستهدف أوديسا والبنى التحتية والمنشآت الصناعية.
وأوكرانيا ترد بمئات المسيّرات وبضربات صاروخية بعيدة المدى تصل إلى قواعد ومنشآت روسية تقع مئات الأميال خلف الحدود.
وفي الوقت نفسه، ترتفع الخسائر البشرية، وتظهر أزمة القوى البشرية الروسية، وتتحدث كييف عن مكاسب ميدانية في الجنوب، بينما تتوسع دائرة الدول المتأثرة بحرب المسيّرات.
لكن لا يزال هناك عنصر غائب: الحسم.
فكل طرف قادر على إيلام الآخر في العمق، لكن أياً منهما لم ينجح حتى الآن في تحويل هذه الضربات إلى نهاية للحرب.
وهنا تكمن المفارقة.
كلما عجزت الجبهة عن إنتاج حسم واضح، ارتفعت أهمية العمق.
وكلما زادت الضربات في العمق، ارتفعت كلفة الحرب على المدنيين والاقتصاد والبنية التحتية.
لذلك فإن السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط: من يطلق العدد الأكبر من الصواريخ والمسيّرات؟
بل:
من يستطيع تحمل هذه الحرب لفترة أطول، ومن سيكون أول من يقتنع بأن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من كلفة التفاوض؟
وفي ظل وصول المسيّرات إلى موسكو، والصواريخ إلى منشآت روسية بعيدة، وتجاوز بعضها حدود أوكرانيا إلى المجال الجوي الأوروبي، يبدو أن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة أكثر خطورة: جبهة ثابتة نسبياً، وعمق مشتعل، ومدى جغرافي يتسع باستمرار.
محور الحدث
منصة عربية مستقلة متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات معمقة للأحداث الإقليمية والدولية.
