إيران وتركيا وإسرائيل.. هل بدأت نهاية العصر الأميركي؟

 أميركا تستطيع تدمير منشآت إيران، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تفرض على إيران كيف تنتهي الحرب.

ما كشفته الأشهر الماضية قد يكون أكبر بكثير من نتائج الضربات والصواريخ والمنشآت النووية التي تعرضت للقصف. فالمسألة الأهم ليست: من دمّر أكثر؟ ومن أطلق صواريخ أكثر؟ ومن أعلن النصر؟

إيران وتركيا وإسرائيل.. هل بدأت نهاية العصر الأميركي؟

السؤال الأخطر هو: هل ما جرى كشف حدود القوة الأميركية، وفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي؟

فالولايات المتحدة دخلت المواجهة وهي تمتلك التفوق العسكري الأكبر في العالم، بينما دخلتها إيران وهي تعرف أنها لا تستطيع منافسة واشنطن في القوة التقليدية.

ومع ذلك، بعد أشهر من الحرب، لم تنته إيران، ولم تتحول الضربات الأميركية إلى حسم سياسي نهائي.

بل تحولت الحرب تدريجيًا إلى مواجهة استنزاف طويلة، ارتبط جزء كبير منها بمضيق هرمز والطاقة والقدرة على إبقاء الاقتصاد العالمي تحت الضغط. وخلص تحليل لـ«رويترز» في أواخر أغسطس إلى أن الحرب وصلت إلى حالة من «الجمود المكلف»، مع بقاء إيران قادرة على الصمود رغم الخسائر الهائلة التي تعرضت لها.

وهنا تحديدًا تبدأ القصة الحقيقية.

عندما لا يكفي التفوق العسكري

هناك فرق بين أن تستطيع دولة ما تدمير منشآت عسكرية، وبين أن تستطيع فرض النتيجة السياسية التي تريدها.

وهذا الفرق ربما يكون أهم درس خرج من الحرب.

الولايات المتحدة قادرة بلا شك على توجيه ضربات مدمرة. لكنها اكتشفت، كما يبدو، أن تدمير جزء من قدرات الخصم لا يعني بالضرورة إخضاعه، وأن التفوق الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي لا يضمن وحده نهاية الحرب بالشكل الذي تريده القوة الكبرى.

إيران تعرضت لضربات قاسية، لكن النظام الإيراني بقي موجودًا، والقدرة على الرد لم تختفِ، ومضيق هرمز تحول إلى ورقة استراتيجية في يد طهران.

وفي 30 أغسطس، عادت الولايات المتحدة إلى ضرب أهداف إيرانية في جزيرة لارك، وردت إيران باستهداف قواعد أميركية في الأردن. وفي 1 سبتمبر تجددت الضربات الأميركية، بينما أعلنت طهران استعدادها للرد إذا استمرت واشنطن في التصعيد.

هذا ليس شكل الحرب التي تنتهي بانتصار ساحق لطرف واحد.

إنه شكل حرب مختلفة: حرب تُستنزف فيها القوة الكبرى وهي تحاول تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية.

وهنا تبدأ المشكلة الأميركية الحقيقية.

إيران لا تحتاج إلى هزيمة أميركا

قد يكون أكبر خطأ في قراءة المشهد هو افتراض أن إيران يجب أن تنتصر على الولايات المتحدة عسكريًا حتى تعتبر نفسها منتصرة.

ليس بالضرورة.

إذا كانت واشنطن تريد إنهاء البرنامج النووي، وإضعاف إيران، وتقليص نفوذها الإقليمي، وإجبارها على قبول ترتيبات جديدة، ثم انتهت الحرب إلى إيران ضعيفة لكنها باقية، ومسلحة، وقادرة على تعطيل هرمز، ورافضة الاستسلام السياسي، فإن طهران تستطيع تقديم ذلك لجمهورها باعتباره انتصارًا.

وهذا ما يجعل الحروب الحديثة مختلفة عن حروب القرن الماضي.

قد يخسر الطرف عشرات المعارك التكتيكية، لكنه يربح الحرب سياسيًا إذا منع خصمه من تحقيق أهدافه الأساسية.

وهنا تكمن قوة السردية الإيرانية الحالية: إيران لا تحتاج إلى إثبات أنها أقوى من أميركا؛ يكفيها أن تقول إن أميركا لم تستطع إخضاعها.

وهذا فارق هائل.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أمريكا تحاصر إيران وتهادن روسيا والصين.. والسعودية تبني خطها الخاص
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

وماذا يحدث عندما تنسحب أميركا؟

السيناريو الأكثر أهمية بعد الحرب ليس عدد القواعد التي ستبقى أو تغادر، بل سؤال آخر:

ماذا سيحدث للشرق الأوسط إذا بدأت الولايات المتحدة فعلًا بتقليص وجودها العسكري؟

ليس من الضروري أن تغادر واشنطن المنطقة غدًا، ولا أن تغلق كل قواعدها دفعة واحدة.

الانسحاب الحقيقي قد يبدأ بطريقة أكثر هدوءًا: تقليل القوات، إعادة توزيعها، تقليص المنشآت الثابتة، الاعتماد أكثر على القوة الجوية والبحرية، نقل جزء من المسؤولية الأمنية إلى الحلفاء، وعدم الرغبة في الدخول مجددًا في حرب برية أو مواجهة طويلة.

واللافت أن هذا الاتجاه لا يقتصر على الشرق الأوسط.

فالبنتاغون يراجع بالفعل انتشار القوات الأميركية في أوروبا، ويبحث خيارات يمكن أن تؤدي إلى تخفيضات مهمة في الوجود العسكري الأميركي هناك، في وقت يوجد فيه نحو 80 ألف جندي أميركي في أوروبا.

هذا لا يعني أن أميركا قررت مغادرة العالم.

لكنه يعني أن النموذج الذي حكم الأمن العالمي لعقود، والقائم على انتشار عسكري أميركي واسع لحماية الحلفاء والمصالح، يخضع لإعادة نظر حقيقية.

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن الفراغ لا يبقى فراغًا.

إذا تراجعت واشنطن، فإن قوى أخرى ستتحرك.

إيران ليست وحدها في الطابور

هناك قوة إقليمية أخرى تراقب المشهد بعناية.

تركيا.

تركيا ليست إيران، وإيران ليست تركيا.

بينهما تاريخ طويل من المنافسة، ومصالح متعارضة في سوريا والعراق والقوقاز وآسيا الوسطى، كما أن أنقرة لا تريد أن ترى طهران تتحول إلى القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة.

لكن تركيا تمتلك شيئًا يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله: جيشًا كبيرًا، قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، خبرة واسعة في الطائرات المسيّرة والحرب الحديثة، واقتصادًا وصناعة قادرين على إنتاج جزء كبير من احتياجاتها الدفاعية.

ولهذا، فإن السؤال بعد تراجع الدور الأميركي لن يكون: هل ستصبح إيران القوة الوحيدة؟

بل:

هل سنشهد توازنًا جديدًا بين إيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج، بدل النظام الذي كانت واشنطن تمسك بمفاتيحه؟

وهذا أكثر تعقيدًا بكثير.

فتركيا لن تكون بالضرورة حليفة لإيران.

لكنها قد تجد نفسها، في بعض الملفات، أمام مصالح مشتركة معها.

وأبرز هذه الملفات هو الملف الكردي.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أمريكا وكندا.. هل بدأ ترامب تفكيك أقرب تحالف لواشنطن؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

التحالف الذي لا يحتاج إلى أن يكون تحالفًا

من السهل تخيل صدام تركي–إيراني في المستقبل.

ومن السهل أيضًا تخيل تعاون مؤقت بينهما.

وهذا ليس تناقضًا.

الدول لا تتحالف لأنها تحب بعضها، بل لأنها تجد أحيانًا خصمًا مشتركًا.

الملف الكردي يمكن أن يكون واحدًا من أكثر الملفات حساسية في هذا السياق.

تركيا تعتبر أي مشروع كردي مسلح أو انفصالي تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وإيران لديها أيضًا حساسياتها الخاصة تجاه التنظيمات الكردية الموجودة على حدودها.

لذلك، إذا تراجعت المظلة الأميركية التي وفرت لبعض القوى الكردية مساحة للمناورة، فقد يتغير ميزان القوة بسرعة.

وهنا يمكن أن يظهر تقارب تركي–إيراني ظرفي.

ليس تحالفًا استراتيجيًا دائمًا.

ولا يعني انتهاء المنافسة بين أنقرة وطهران.

بل تعاونًا محدودًا عندما تتطابق المصالح.

وهذا النوع من التفاهمات قد يكون كافيًا وحده لتغيير الخريطة الأمنية في المنطقة.

إسرائيل أمام السؤال الأصعب

لكن الطرف الذي قد يواجه أكبر اختبار استراتيجي هو إسرائيل.

ليس لأن إسرائيل ستختفي غدًا.

وليس لأن هزيمة عسكرية حتمية تنتظرها.

بل لأن النموذج الأمني الإسرائيلي الحديث استفاد بصورة عميقة من المظلة الأميركية، من التسليح والاستخبارات إلى الردع السياسي والاستراتيجي.

السلاح الأميركي مهم.

الدعم السياسي مهم.

المعلومات والاستخبارات مهمة.

والأهم من ذلك كله هو أن خصوم إسرائيل يعرفون أن أي حرب كبرى معها قد تتحول في مرحلة ما إلى مواجهة مع الولايات المتحدة.

إذا تراجعت هذه المعادلة، فإن إسرائيل ستجد نفسها في بيئة مختلفة تمامًا.

إيران في الشرق.

تركيا في الشمال.

قوى عربية تعيد حساباتها.

روسيا تحاول تثبيت نفوذها.

والولايات المتحدة أقل استعدادًا لتحمل تكلفة حرب طويلة من أجل حليف إقليمي.

وهنا لا يعود السؤال:

هل تستطيع إسرائيل هزيمة خصومها؟

بل:

هل تستطيع إسرائيل الحفاظ على نموذجها الأمني الحالي من دون المظلة الأميركية التي جعلت هذا النموذج ممكنًا؟

وهذا سؤال مختلف تمامًا.

هل يبدأ الإسرائيليون بالرحيل؟

هذه النقطة هي الأكثر حساسية، لكنها أيضًا الأكثر قابلية للنقاش إذا صيغت باعتبارها سيناريو لا حقيقة.

فالدول لا تنهار فقط عندما تخسر حربًا.

أحيانًا تبدأ بالضعف عندما يفقد سكانها الثقة بمستقبلها.

إذا شعر جزء متزايد من الإسرائيليين أن الدولة لم تعد قادرة على توفير الأمن، وأن الحروب لن تنتهي، وأن التفوق العسكري لم يعد كافيًا لفرض بيئة إقليمية آمنة، فقد يبدأ سؤال الهجرة بالظهور بصورة أكثر جدية.

وهذا لا يعني أن ملايين الإسرائيليين سيغادرون فجأة.

ولا يعني أن إسرائيل ستختفي.

لكن التاريخ يعرف حالات كثيرة تغيرت فيها الدول لأن سكانها بدأوا يفكرون في مستقبل مختلف.

والأخطر على أي دولة ليس أن يكرهها خصومها.

الأخطر أن يبدأ جزء من مواطنيها في السؤال:

هل أريد أن أعيش هنا بعد عشرين عامًا؟

فالمشكلة الأخطر: الثقة داخل إسرائيل

إذا أصبح هذا السؤال واسع الانتشار، فإن الأزمة تصبح أعمق من مجرد أمن الحدود.

تصبح أزمة ثقة بالدولة نفسها.

ومن هنا يمكن فهم أهمية المسار الذي يدفع نحو توسيع اتفاقات أبراهام وترسيخ علاقات إسرائيل الإقليمية.

إسرائيل لا تحتاج فقط إلى المزيد من الأسلحة.

هي تحتاج إلى بيئة إقليمية تجعل وجودها قابلًا للاستمرار.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
إسرائيل وتركيا في سوريا.. هل بدأت مواجهة جديدة؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

لكن القصة لا تنتهي في الشرق الأوسط

لو كان الأمر متعلقًا بإيران وإسرائيل فقط، لكانت الأزمة إقليمية.

لكن ما يحدث أخطر.

لأن القوة الأميركية هي شبكة عالمية.

وإذا اقتنعت الدول بأن واشنطن لم تعد مستعدة أو قادرة على حماية قواعدها وحلفائها كما كانت تفعل، فإن كل دولة ستبدأ بإعادة حساباتها.

اليابان ستسأل عن مستقبل أمنها.

كوريا الجنوبية ستسأل عن حجم اعتمادها على القوات الأميركية.

تايوان ستسأل عن استعداد واشنطن لتحمل حرب مباشرة مع الصين.

وأوروبا ستسأل عن المدى الذي يمكن أن تعتمد فيه على الولايات المتحدة في مواجهة روسيا.

هذه ليست أسئلة نظرية بالكامل.

فواشنطن تراجع بالفعل انتشار قواتها في أوروبا، والحرب الإيرانية دفعت حلفاء الولايات المتحدة إلى التفكير أكثر في حجم مساهماتهم الدفاعية وقدرتهم على الاعتماد على أنفسهم.

وهنا تظهر المفارقة:

قد تكون الحرب التي بدأت بسبب إيران أكبر من إيران نفسها.

الروس فهموا ذلك قبل الجميع

وهنا نصل إلى الجزء الأكثر أهمية في القصة.

فالتحول الذي كشفته الحرب لا يتعلق فقط بمن يملك النفوذ، بل بكيفية خوض الحرب نفسها.

ان ما رأيناه في الحرب الحديثة من دمج بين الاستطلاع، والاستخبارات، والطائرات المسيّرة، والأسلحة الدقيقة، وضرب مراكز القيادة، واستهداف البنية العسكرية من مسافات بعيدة، لم يظهر فجأة.

له جذور عميقة في الفكر العسكري السوفييتي.

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بدأ المارشال السوفييتي نيقولاي أوغاركوف وعدد من المنظرين العسكريين السوفييت في التفكير في كيفية تحويل التكنولوجيا والاستطلاع إلى قدرة على ضرب الخصم قبل أن يتمكن من استخدام قوته.

وكانت الفكرة الأساسية هي اختصار المسافة بين اكتشاف الهدف وضربه.

أي أن من يرى أولًا، ويحدد الهدف أولًا، وينقل المعلومات أسرع، ويضرب بدقة أكبر، يستطيع أن يشل قوة أكبر منه تقليديًا.

دراسة حديثة في مجلة Military Review التابعة للجيش الأميركي تشير إلى أن أوغاركوف كان يعمل على تطوير مفهوم «مجمع الاستطلاع والضرب»، بحيث يمكن اكتشاف أنظمة الخصم وضربها قبل أن تدخل المعركة، كما كان يتصور مستقبلًا تستخدم فيه الأسلحة الدقيقة والطائرات المسيّرة على نطاق واسع.

وهنا تصبح المفارقة التاريخية مذهلة.

الاتحاد السوفييتي انهار.

لكن بعض أفكاره العسكرية لم تمت.

بل عادت في صورة جديدة.

وربما ما نشاهده في إيران اليوم ليس مجرد تطوير إيراني للصواريخ والمسيّرات والحرب غير المتماثلة.

بل جزء من تحول أكبر في طبيعة الحرب نفسها.

القوة لم تعد تعني ما كانت تعنيه

في القرن العشرين، كانت القوة العظمى هي التي تمتلك أكبر جيش وأكبر أسطول وأكبر سلاح جوي وأكبر قواعد عسكرية.

أما في القرن الحادي والعشرين، فقد تصبح القوة شيئًا أكثر تعقيدًا.

قد تكون الدولة التي تستطيع شل الملاحة العالمية أقوى من دولة تمتلك عشرات القواعد.

وقد تكون الدولة التي تستطيع تعطيل شبكة أقمار صناعية أو ضرب منظومة قيادة وسيطرة أكثر تأثيرًا من دولة تمتلك مئات الطائرات.

وقد تكون دولة لا تستطيع تدمير خصمها قادرة على منعه من تحقيق أهدافه.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية إيران.

إيران لم تصبح قوة عظمى لأن جيشها أصبح أقوى من الجيش الأميركي.

هذا لم يحدث.

لكن إيران أثبتت أن دولة أقل قوة تقليدية يمكنها أن تجعل الحرب معها مكلفة، طويلة، ومعقدة إلى درجة تمنع القوة الأكبر من الحصول على النتيجة التي تريدها بسهولة.

وهذه الفكرة وحدها يمكن أن تغير حسابات دول أخرى.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
من إيران إلى مصر.. هل جاء اتفاق مكة لكسر استراتيجية الاستفراد بدول المنطقة؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

من سيملأ الفراغ؟

إذا تراجعت الولايات المتحدة، فلن يأتي لاعب واحد ليحل محلها.

وهذه نقطة يجب ألا نغفلها.

لن تصبح إيران «أميركا الجديدة».

ولن تصبح تركيا كذلك.

ولن تصبح روسيا قوة مهيمنة على الشرق الأوسط وحدها.

الأرجح أننا نتجه إلى عالم أكثر فوضوية وتعددًا في مراكز القوة.

إيران ستسعى إلى توسيع نفوذها.

تركيا ستسعى إلى حماية مجالها الحيوي.

روسيا ستبحث عن فرص جديدة.

الصين ستواصل التوسع الاقتصادي والاستراتيجي.

ودول الخليج ستعمل، على الأرجح، على بناء قدرات أكبر لحماية نفسها بدل الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة.

وهنا قد تكون السعودية ودول الخليج أمام فرصة تاريخية، ولكن أيضًا أمام خطر تاريخي.

فالانسحاب الأميركي، إذا حدث، لا يعني أن المنطقة أصبحت أكثر أمانًا.

بل يعني أن مسؤولية أكبر تقع على عاتق دولها.

هل بدأت نهاية العصر الأميركي؟

ربما لا.

فالولايات المتحدة ما زالت الدولة صاحبة أكبر قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية في العالم، وما زالت تمتلك شبكة تحالفات لا تستطيع أي دولة أخرى منافستها بسهولة.

ولهذا سيكون من الخطأ إعلان «نهاية أميركا».

لكن هناك فرقًا بين نهاية أميركا ونهاية شكل معين من الهيمنة الأميركية.

وهذا هو السؤال الحقيقي.

ربما لا نشهد انهيار القوة الأميركية.

ربما نشهد فقط انتقالها من الهيمنة المباشرة إلى إدارة أكثر انتقائية للقوة.

من عشرات القواعد إلى عدد أقل.

من التدخل المباشر إلى دعم الحلفاء.

من الحروب الطويلة إلى الضربات المحدودة.

ومن محاولة إدارة النظام العالمي بالكامل إلى اختيار المعارك التي تستحق التكلفة.

إذا حدث ذلك، فستكون حرب إيران نقطة تحول، لا لأنها جعلت إيران أقوى من الولايات المتحدة، بل لأنها كشفت شيئًا أعمق:

أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية.

وهذا الدرس لن تسمعه طهران وحدها.

ستسمعه أنقرة وموسكو وبكين وتل أبيب وعواصم الخليج وأوروبا وآسيا.

وعندما تبدأ الدول الكبرى بإعادة حساباتها، يبدأ النظام الدولي بالتغير.

لذلك، ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه بعد حرب إيران ليس:

من انتصر؟

بل:

من اكتشف أن العالم الذي دخل الحرب لم يعد هو العالم الذي سيخرج منها؟

إذا كانت الإجابة هي الجميع، فإن المعركة الحقيقية لم تنته بعد.

لقد بدأت للتو لأن الحرب قد تنتهي على الخرائط، لكن إعادة توزيع القوة التي كشفتها لن تنتهي بانتهاء الصواريخ.


وسام المصري
رئيس التحرير

اقرأ أيضا": مدير CIA جون راتكليف في موسكو سرًا.. ماذا بحث مع الاستخبارات الروسية؟

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال