المحيط الهندي يدخل الحسابات
على الخريطة، تبدو دييغو غارسيا بعيدة عن تايوان، والفلبين بعيدة عن إيران، وأستراليا بعيدة عن بحر الصين الجنوبي. لكن المسافات الجغرافية لا تعكس دائمًا المسافات الاستراتيجية.
فحين تتحرك السفن والقواعد والمناورات في هذه الدائرة الواسعة، يصبح السؤال مختلفًا: هل تتشكل أمامنا خريطة عسكرية جديدة للمحيطين الهندي والهادئ؟
في 24 سبتمبر، خرج تحذير إيراني لافت من الجنرال يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، قال فيه إن استمرار الهجمات الأميركية أو الإسرائيلية قد يدفع الحرب إلى التوسع من الخليج والبحر الأحمر نحو المحيط الهندي وربما أبعد من ذلك.
وكان هذا أول تحذير إيراني بارز يذكر المحيط الهندي صراحة بهذا الشكل في سياق الحرب الحالية.
المغزى لا يتعلق فقط بإمكانية اتساع رقعة القتال، فالمحيط الهندي يحتوي على واحدة من أهم القواعد العسكرية الأميركية البريطانية المشتركة في العالم: دييغو غارسيا.
تقع القاعدة في أرخبيل تشاغوس، على مسافة تقارب 4 آلاف كيلومتر من إيران، وتتمتع بموقع يجعلها نقطة ارتكاز بعيدة عن معظم مناطق الصراع التقليدية في الشرق الأوسط.
ولذلك فإن مجرد دخولها إلى الخطاب الإيراني يعيد تعريف الجغرافيا التي يجب مراقبتها.
لكن حتى الآن، لا توجد أدلة موثوقة على أن إيران نفذت هجومًا جديدًا على دييغو غارسيا خلال الأيام الأخيرة.
ما لدينا هو تحذير إيراني جديد، وليس ضربة جديدة.
وهذا الفرق جوهري.
فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستُفتح جبهة جديدة في المحيط الهندي؟
بل: ماذا يحدث إذا بدأت الحرب الحالية بإعادة تعريف أهمية المحيط الهندي نفسه؟
دييغو غارسيا.. القاعدة التي تربط الشرق الأوسط بآسيا
أهمية دييغو غارسيا لا تأتي فقط من موقعها العسكري، وإنما من موقعها على الخريطة.
فهي تقع تقريبًا بين شرق أفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، وبعيدة بما يكفي عن معظم القواعد الإقليمية لتكون عقدة استراتيجية مختلفة عن القواعد الأميركية الموجودة في الخليج أو اليابان أو كوريا الجنوبية.
ولهذا فإن ظهور المحيط الهندي في الخطاب الإيراني يفتح مسارًا تحليليًا مختلفًا: إذا امتدت الحرب إلى هذه المنطقة، فإن التداعيات لن تتوقف عند الولايات المتحدة وإيران.
قد تدخل معها حسابات الهند، والممرات التجارية المتجهة إلى آسيا، وانتشار القوات البحرية الغربية، وأمن خطوط الملاحة بين الخليج والمحيط الهندي، ثم جنوب شرق آسيا.
ومن هنا تبدأ القصة بالابتعاد عن هرمز.
لأن المحيط الهندي ليس مجرد امتداد جغرافي للحرب، بل هو المنطقة التي تلتقي فيها طرق الطاقة القادمة من الخليج مع طرق التجارة المتجهة إلى آسيا، في وقت تتزايد فيه المنافسة العسكرية بين الصين والولايات المتحدة وحلفائها.
واللافت أن التطورات التي وقعت في غرب المحيط الهادئ خلال الأيام نفسها توفر صورة أخرى لهذا التحول.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
الرهان على واشنطن تحت الاختبار.. ماذا ستفعل السعودية بعد اتساع الحرب؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الفلبين.. نقطة الاحتكاك الأكثر سخونة
في 23 سبتمبر، شهد بحر الصين الجنوبي نشاطًا بحريًا متعدد الأطراف ضمن تمرين مرتبط باجتماعات وزراء دفاع آسيان وشركائهم.
شاركت في النشاط 11 سفينة من دول عدة، بينها الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند ونيوزيلندا وسنغافورة وبروناي والفلبين. وشملت التدريبات تشكيلات بحرية ومناورات تنسيق وملاحة، إضافة إلى تدريبات مرتبطة بالأمن البحري.
المشهد وحده يستحق التوقف عنده.
سفينة حربية يابانية من طراز JS Ise، وسفينة أسترالية، وسفينة أميركية، وسفن هندية ونيوزيلندية وفلبينية، تعمل ضمن مجموعة بحرية واحدة في مياه تقع في قلب النزاع الصيني الفلبيني.
لكن التطور الأكثر أهمية جاء بعد ذلك مباشرة.
في 24 سبتمبر، اعترضت سفن صينية مهمة إمداد فلبينية متجهة إلى جزيرة أيونغين، المعروفة أيضًا باسم Second Thomas Shoal، حيث تتمركز سفينة BRP Sierra Madre الفلبينية.
وقالت القوات المسلحة الفلبينية إن سفنًا تابعة لخفر السواحل الصيني والبحرية الصينية تدخلت في المهمة، ما أدى إلى تعليقها، وأفادت مصادر فلبينية بأن ثماني سفن صينية على الأقل شاركت في عملية الاعتراض، بينما تحدثت تقارير أخرى عن قوة صينية أكبر.
وأمس تحديدا" في 26 سبتمبر، أعلن وزير الدفاع الفلبيني جيلبرتو تيودورو أن بلاده لن تتراجع عن تنفيذ مهمات الإمداد المستقبلية.
وهنا تظهر المفارقة.
في اليوم نفسه تقريبًا الذي كانت فيه عدة دول تجري تدريبات بحرية مشتركة في بحر الصين الجنوبي، كانت الصين تستخدم قواتها البحرية وخفر السواحل لمنع مهمة فلبينية من الوصول إلى موقع متنازع عليه.
ليس هناك ما يثبت أن الحدثين جزء من عملية واحدة.
لكن من الصعب تجاهل أن كليهما يحدث في المساحة الجغرافية نفسها، وفي ظرف إقليمي يتجه فيه الأمن البحري إلى أن يصبح محورًا رئيسيًا للتنافس.
أستراليا واليابان.. من التعاون إلى قابلية العمل المشترك
وجود أستراليا واليابان في المشهد ليس تفصيلًا ثانويًا.
أستراليا تتحرك منذ سنوات باتجاه توسيع حضورها العسكري في المحيطين الهندي والهادئ، بينما تعمل اليابان على زيادة قدراتها البحرية والصاروخية وتعزيز تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة والفلبين وأستراليا.
وفي التمرين البحري الأخير في بحر الصين الجنوبي، لم يكن الوجود الأسترالي والياباني رمزيًا، فقد شاركت البحرية الملكية الأسترالية بفرقاطة HMAS Perth، بينما شاركت قوات الدفاع الذاتي البحرية اليابانية بالمدمرة الحاملة للمروحيات JS Ise، كما شاركت الولايات المتحدة بسفينة قتالية ساحلية، إلى جانب قوات من الهند ونيوزيلندا ودول جنوب شرق آسيا.
هذه التشكيلة تكشف شيئًا مهمًا عن طبيعة التغيير الجاري.
التحالفات في آسيا لا تتشكل بالضرورة على هيئة معاهدة دفاع جماعية واحدة.
بدلًا من ذلك، تظهر شبكة من التدريبات، وتبادل الخبرات، والتنسيق البحري، والانتشار المتبادل، واتفاقات الوصول العسكري، والعمل المشترك بين مجموعات مختلفة من الدول.
وهذا يجعل الخريطة أكثر تعقيدًا من مجرد «أميركا ضد الصين».
فالهند موجودة.
أستراليا موجودة.
اليابان موجودة.
الفلبين موجودة.
نيوزيلندا موجودة.
والولايات المتحدة موجودة.
وكل دولة تدخل هذه الشبكة بدرجة مختلفة من الالتزام، وبمصالحها الخاصة.
تايوان تقترب من المعادلة الفلبينية
التطور الأكثر إثارة للاهتمام ربما لا يأتي من مناورة عسكرية، وإنما من خطوة صغيرة في ظاهرها.
في 23 سبتمبر، ظهرت تقارير عن نقل تايوان سفينة دورية متقاعدة تابعة لخفر السواحل إلى الفلبين، السفينة تزن نحو 500 طن، وأصبحت تحت حيازة خفر السواحل الفلبيني لاستخدامها في مهام مدنية بحرية.
قد يبدو الأمر مجرد مساعدة تقنية.
لكن في الجغرافيا الآسيوية، لا توجد مسافة كبيرة بين «التعاون البحري المدني» و«الحسابات الأمنية».
تايوان والفلبين تشتركان في مواجهة نشاط صيني متزايد في المناطق البحرية المحيطة بهما، كما أن قرب الفلبين من تايوان يجعل بحر الصين الجنوبي وبحر الفلبين وتايوان أجزاء مترابطة من البيئة العسكرية نفسها.
والأكثر أهمية أن معهد دراسة الحرب أشار في تحديثه الصادر في 25 سبتمبر إلى مؤشرات على توسع التعاون بين الفلبين وتايوان، بما في ذلك نقل سفينة الدورية، وخطط لزيارة لخفر السواحل التايواني إلى الفلبين في 2027، إضافة إلى توجه تايوان لإنشاء مكتب تمثيلي ثانٍ في مدينة سيبو الفلبينية.
بالنسبة إلى بكين، هذا النوع من التقارب حساس للغاية، لأن الصين تعتبر تايوان جزءًا من أراضيها، وترفض أي ترتيبات يمكن أن تمنح الجزيرة مساحة أمنية أو دبلوماسية أوسع.
وهكذا تظهر تايوان في المشهد من زاوية مختلفة.
ليست فقط احتمال اندلاع حرب مستقبلية.
إنها أيضًا جزء من شبكة العلاقات البحرية التي تتشكل الآن حول الصين.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
روسيا تريد العودة للمفاوضات.. ماذا حصل خلف الكواليس بين ترامب وبوتين؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الصين ترى السفن.. وتراقب الخريطة
الصين لم تكن غائبة عن المناورات الأخيرة.
وفق تقرير USNI News، قامت سفينة تابعة للبحرية الصينية بتعقب المجموعة البحرية المشاركة في النشاط المشترك أثناء اقترابها من منطقة التدريب، التي كانت على مسافة نحو 45 ميلًا بحريًا من سكاربورو شول.
وفي الوقت نفسه، كانت القوات الصينية تتعامل مع مهمة الإمداد الفلبينية في أيونغين.
وهنا يظهر الفرق بين مرحلتين من المنافسة.
الأولى هي المنافسة الدبلوماسية والتصريحات.
أما الثانية فهي المنافسة على «من يستطيع أن يكون موجودًا في البحر، ومن يستطيع منع الطرف الآخر من الوجود».
وهذه النقطة قد تكون أهم من عدد السفن المشاركة في أي مناورة.
فإذا كانت الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند والفلبين ونيوزيلندا تتدرب على العمل معًا، فإن الصين تختبر في المقابل قدرتها على مراقبة هذه التحركات، وممارسة الضغط على السفن الفلبينية، وإظهار قدرتها على التحكم في مناطق تعتبرها بكين جزءًا من مجال نفوذها.
وهذا هو جوهر ما يسمى في الدراسات العسكرية بالمنطقة الرمادية: ممارسة الضغط دون الانتقال إلى حرب مفتوحة.
من المحيط الهندي إلى غرب المحيط الهادئ
عند جمع هذه التطورات، تظهر خريطة مختلفة تمامًا عن خريطة الأخبار اليومية.
في الغرب، إيران تتحدث عن إمكانية انتقال الحرب إلى المحيط الهندي، وتظهر دييغو غارسيا في الحسابات بسبب موقعها العسكري.
في الجنوب، البحر الأحمر وباب المندب يظلان جزءًا من أزمة الملاحة العالمية.
وفي الشرق، تتجمع قوات بحرية متعددة الجنسيات في بحر الصين الجنوبي، بينما تواجه الفلبين ضغطًا صينيًا مباشرًا حول أيونغين.
وفي الشمال الشرقي، تبقى تايوان في قلب الحسابات العسكرية الصينية والأميركية واليابانية.
أما أستراليا واليابان، فهما تتحركان باتجاه زيادة القدرة على العمل المشترك مع الولايات المتحدة والفلبين وشركاء آخرين.
لا يعني ذلك أن هناك «تحالفًا آسيويًا» موحدًا يستعد لحرب مع الصين.
كما لا توجد أدلة على أن التحركات في بحر الصين الجنوبي مرتبطة مباشرة بالتحذير الإيراني بشأن المحيط الهندي.
لكن هناك تحولًا أوسع يمكن رصده بوضوح: الأمن البحري أصبح الرابط المشترك بين عدد متزايد من الأزمات.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
شروط صينية أمام قاليباف؟ تصريحات إيرانية تكشف أزمة رهان طهران على بكين
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الحرب المقبلة قد لا تبدأ من المكان المتوقع
خلال السنوات الماضية، كان السؤال الأكبر في آسيا يدور حول تايوان.
هل تهاجم الصين الجزيرة؟
هل تتدخل الولايات المتحدة؟
هل تدخل اليابان الحرب؟
لكن التطورات الأخيرة تضيف سؤالًا آخر:
ماذا لو أصبحت المنافسة على الممرات البحرية نفسها هي المرحلة التي تسبق أي حرب كبرى؟
هرمز مثال واضح.
باب المندب مثال ثانٍ.
وبحر الصين الجنوبي يقدم نسخة آسيوية من المشكلة نفسها، وإن كانت الظروف مختلفة تمامًا.
في كل هذه المناطق توجد نقطة اختناق أو طريق بحري حيوي، وتتنافس القوى الكبرى على القدرة على مراقبته أو حمايته أو تعطيله أو فرض وجودها بالقرب منه.
وهنا تصبح دييغو غارسيا أكثر أهمية مما تبدو عليه على الخريطة.
فالقاعدة ليست جزءًا من نزاع تايوان، وليست جزءًا من بحر الصين الجنوبي، لكنها تقع على شبكة المحيط التي تربط الخليج بآسيا.
إذا اتسعت حرب الشرق الأوسط باتجاه المحيط الهندي، وفي الوقت نفسه استمر التنافس البحري بين الصين وشبكة شركائها وخصومها في غرب المحيط الهادئ، فإن المسافتين اللتين تبدوان منفصلتين على الخريطة ستصبحان جزءًا من بيئة استراتيجية واحدة.
وهذه هي القصة التي تستحق المتابعة.
ليس لأن حربًا آسيوية كبرى أصبحت حتمية.
بل لأن الجيوش والبحريات بدأت تتعامل مع المحيطات والممرات البحرية باعتبارها مسرحًا واحدًا للمنافسة، من الخليج العربي حتى المحيط الهندي، ومن بحر الصين الجنوبي حتى تايوان واليابان وأستراليا.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا هو: إذا كانت هرمز وباب المندب قد أثبتا أن الممرات البحرية يمكن أن تصبح سلاحًا في الحرب، فهل بدأ بحر الصين الجنوبي يتحول إلى النسخة الآسيوية من المعادلة نفسها؟
هذا هو التطور الذي يستحق أن تراقبه المنطقة الآن.
