لم يكن خط أنابيب «شرق-غرب» السعودي هدفًا عابرًا في موجة التصعيد الإقليمي. فالمسيّرات التي انطلقت من العراق استهدفت واحدًا من أهم المسارات التي تعتمد عليها السعودية لتصدير نفطها بعيدًا عن مضيق هرمز، في وقت أصبحت فيه الملاحة عبر المضيق أحد أبرز أوراق الضغط في الحرب الدائرة مع إيران.
فجر الخميس 10 سبتمبر، تعرض الخط لعدة استهدافات في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، ما دفع السلطات السعودية إلى إيقاف تشغيله احترازيًا، فيما أعلنت الرياض لاحقًا أن المسيّرات أُطلقت من الأراضي العراقية.
الحدث يطرح سؤالًا أكبر من حجم الأضرار التي لحقت بالمنشأة: إذا كان خط «شرق-غرب» هو أحد أهم البدائل السعودية عندما يصبح هرمز غير آمن، فماذا يعني أن يصل التصعيد إلى هذا المسار نفسه؟
ماذا حدث لخط «شرق-غرب»؟
بحسب مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية نقلت عنه وكالة الأنباء السعودية «واس»، تعرض خط أنابيب «شرق-غرب» لعدة استهدافات متزامنة صباح الخميس، ما استدعى وقف تشغيله كإجراء احترازي.
وأكد المصدر أن فرق الطوارئ والفرق الفنية باشرت التعامل مع الموقع والتحقق من سلامة المنشأة، فيما تحدثت السلطات عن وقوع إصابات بشرية وأضرار مادية يجري حصرها ومعالجتها.
وفي وقت لاحق، أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن المسيّرات التي استهدفت الخط جاءت من الأراضي العراقية، في تطور ينقل الحادثة من مجرد استهداف لمنشأة نفطية إلى أزمة أمنية تتعلق أيضًا بالعلاقات بين الرياض وبغداد.
ولم تكشف السلطات السعودية، حتى الآن، كامل تفاصيل الأضرار التي لحقت بالخط أو المدة اللازمة لإعادة تشغيله بصورة طبيعية.
لماذا خط «شرق-غرب» تحديدًا؟
أهمية الخط تأتي من موقعه في شبكة تصدير النفط السعودية.
فالخط ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر غربًا، حيث تستطيع السعودية تصدير الخام إلى الأسواق العالمية دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز.
وهذه الميزة اكتسبت أهمية استثنائية مع تصاعد التوتر العسكري في الخليج وتعطل حركة الملاحة عبر هرمز.
وبحسب بيانات شركة Kpler، ارتفعت تحميلات الخام والمكثفات من ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى نحو 2.9 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، مقارنة بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا في أغسطس.
الأرقام لا تعني أن هذه الكميات كلها مرت عبر خط «شرق-غرب» تحديدًا، لكنها تعكس بوضوح ارتفاع أهمية مسار التصدير السعودي عبر البحر الأحمر في الوقت الذي أصبحت فيه طرق الشحن التقليدية أكثر عرضة للخطر.
وهنا تكمن أهمية الهجوم: المسار الذي يفترض أن يوفر للسعودية هامشًا أوسع لتجاوز أزمة هرمز أصبح هو الآخر معرضًا للتهديد.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
من هرمز إلى جازان.. هل أصبحت الطاقة السعودية هدفًا مباشرًا في حرب إيران؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الرياض تدين.. لكنها لا ترد فورًا
جاء الموقف السعودي حازمًا في إدانة الهجوم وتحديد مصدر المسيّرات، لكن الرياض لم تتجه إلى رد عسكري مباشر وفوري.
وبحسب ما نقلته تقارير عن الموقف السعودي، أبقت المملكة على حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة، لكنها منحت بغداد مساحة للتحرك أولًا وكشف الجهة المسؤولة ومحاسبتها.
هذه المعادلة تكشف حسابًا سعوديًا دقيقًا.
فالرياض لا تريد أن تتحول منشآتها النفطية إلى جبهة جديدة في حرب إقليمية واسعة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع استهداف البنية التحتية للطاقة باعتباره حادثًا عابرًا، خصوصًا إذا تكرر أو ثبت ارتباطه بجماعات مسلحة تعمل من الأراضي العراقية.
لذلك، فإن أهمية الرد السعودي لا تتعلق فقط بما إذا كان سيأتي عسكريًا، بل بما إذا كانت الرياض ستنجح في دفع بغداد إلى منع تكرار الهجمات من الأراضي العراقية.
بغداد أمام اختبار مختلف
سارعت الحكومة العراقية إلى إدانة الهجوم، ووجّه رئيس الوزراء العراقي، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، بفتح تحقيق عاجل وفوري في ملابساته والجهات التي تقف وراءه.
كما شددت بغداد على رفضها أي اعتداء يستهدف أمن السعودية، مؤكدة حرصها على العلاقات بين البلدين.
لكن المشكلة التي تواجه الحكومة العراقية لا تتعلق بصياغة موقف سياسي واضح، بل بقدرتها على تحويل هذا الموقف إلى إجراءات فعلية.
فالعراق يضم فصائل مسلحة مرتبطة بإيران وتتمتع بنفوذ وقدرات عسكرية، وهو ما يجعل أي تحقيق في هجوم ينطلق من الأراضي العراقية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على ضبط النشاط المسلح داخل حدودها.
وهنا تصبح القضية بالنسبة إلى بغداد أكبر من حادث أمني: هل تستطيع منع استخدام أراضيها منصة لاستهداف دولة عربية ترتبط معها بعلاقات سياسية واقتصادية متنامية؟
من يقف وراء الهجوم؟
حتى الآن، لا توجد جهة أعلنت مسؤوليتها عن استهداف خط «شرق-غرب».
بل إن «المقاومة الإسلامية في العراق» سارعت إلى نفي مسؤوليتها، ورفضت الاتهامات الموجهة إليها، معتبرة أنها لا تستند إلى أدلة موثوقة أو نتائج تحقيقات واضحة.
وهذا يترك هوية المنفذين مفتوحة، ويجعل من المبكر ربط الهجوم بجهة محددة بصورة قاطعة.
لكن المؤكد أن مصدر المسيّرات، بحسب الرواية السعودية الرسمية، يضيف بُعدًا سياسيًا إلى الحادثة، خصوصًا في ظل وجود جماعات مسلحة عراقية مرتبطة بالصراع الإقليمي وتملك القدرة على تنفيذ عمليات بعيدة نسبيًا عن قواعدها.
لذلك، سيكون السؤال الأهم خلال الأيام المقبلة ليس فقط: من أطلق المسيّرات؟ بل أيضًا:
هل تستطيع بغداد الوصول إلى الجهة التي نفذت الهجوم، أم أن التحقيق سينتهي عند حدود الإدانة السياسية؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
أميركا تتراجع والسعودية تتحرك.. ماذا يحدث للاقتصاد العالمي؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
من هرمز إلى شرق-غرب.. هل تتسع دائرة الخطر؟
لا يمكن فصل استهداف خط «شرق-غرب» عن أزمة الطاقة الأوسع التي خلقتها الحرب.
فمضيق هرمز يمثل نقطة الاختناق البحرية الأهم أمام صادرات النفط الخليجية، بينما يوفر خط «شرق-غرب» للسعودية طريقًا بريًا إلى البحر الأحمر يمكنه تخفيف اعتمادها على هذا الممر.
لكن استهداف الخط يكشف مشكلة أوسع: أمن الطاقة لا يعتمد على نقطة واحدة فقط، بل على سلامة شبكة كاملة تبدأ من حقول الإنتاج وتمتد إلى خطوط الأنابيب ومحطات التصدير والممرات البحرية.
وهذا ما يجعل الهجوم مختلفًا عن مجرد ضربة لمنشأة نفطية.
فكلما اتسعت الحرب جغرافيًا، تقلصت قدرة الدول الخليجية على عزل اقتصاداتها عن آثارها، حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا فيها.
وبالنسبة إلى السعودية تحديدًا، فإن المعادلة تصبح أكثر حساسية: هرمز معرض للخطر من جهة، ومسارات التصدير البديلة تحتاج هي الأخرى إلى حماية من جهة أخرى.
ماذا بعد؟
حتى الآن، تبدو الرياض حريصة على عدم فتح جبهة جديدة مع العراق، فيما تحاول بغداد احتواء التداعيات من خلال التحقيق وإدانة الهجوم.
لكن تكرار استهداف البنية التحتية النفطية السعودية قد يغيّر هذه المعادلة.
فالخط الذي كان يمثل للسعودية وسيلة لتجاوز اختناق هرمز أصبح الآن جزءًا من معادلة أمنية أوسع. وإذا تكرر استهدافه، فقد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى التعامل مع المشكلة من جذورها: ليس فقط حماية المنشآت، بل الضغط على الجهة التي تسمح بتحول الأراضي العراقية إلى مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة السعودي.
وهنا تكمن الرسالة الأهم للهجوم:
في حرب تتسع رقعتها، لم يعد السؤال بالنسبة إلى السعودية كيف تتجاوز مضيق هرمز فقط، بل كيف تحمي كل البدائل التي تعتمد عليها عندما يصبح هرمز خارج الحسابات.
تطور جديد يفتح مسارًا مختلفًا للتحقيق September 13-2026
وفي تطور قد يغيّر مسار التحقيق في الهجوم، أعلنت السلطات العراقية ضبط منصة لإطلاق الصواريخ داخل الأراضي العراقية، بالقرب من الحدود مع إيران، وقالت إن المنصة يُشتبه في استخدامها خلال استهداف خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب.
وقال رئيس خلية الإعلام الأمني، الفريق سعد معن، إن فريقًا أمنيًا واستخباريًا تمكن من تحديد موقع المنصة وضبطها، فيما تتواصل الإجراءات التحقيقية لتحديد هوية المتورطين في الهجوم.
وتكتسب هذه المعلومة أهمية تتجاوز مجرد العثور على منصة إطلاق، لأنها تضع الأراضي العراقية في قلب مسار محتمل للهجوم على أحد أهم شرايين الطاقة السعودية. كما تفتح الباب أمام أسئلة أكثر تحديدًا حول الجهة التي تولت الإطلاق، وطبيعة الصلة بين موقع المنصة والجهة المنفذة، وما إذا كان استخدامها جزءًا من قدرة منظمة على استهداف البنية التحتية للطاقة من خارج الأراضي السعودية.
وبذلك، لا يعود السؤال فقط: من أطلق المسيّرات؟ بل أيضًا: لماذا اختير هذا المسار تحديدًا، ومن يملك القدرة على استخدام الأراضي العراقية كمنصة ضغط على شريان النفط السعودي؟
محور الحدث
منصة عربية مستقلة متخصصة في السياسة والجيوسياسة والاقتصاد والطاقة، تقدم تحليلات معمقة للأحداث الإقليمية والدولية.
