من 14 إلى 7.. بيروت تغيّرت قبل عودة سعد الحريري

 هناك أرقام انتخابية لا تبدو كبيرة للوهلة الأولى، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما نضعها في سياقها.

في انتخابات اتحاد العائلات البيروتية عام 2023، حصدت لائحة «الوفاء لبيروت» المدعومة من تيار المستقبل 14 مقعدًا من أصل 18، مقابل 4 مقاعد للائحة المنافسة. يومها قُرئت النتيجة باعتبارها تأكيدًا لاستمرار نفوذ سعد الحريري داخل واحدة من أهم المؤسسات التي تمثل العائلات البيروتية.

سعد الحريري قد يعود إلى بيروت_ لكن بيروت نفسها لم تعد كما كانت_png

اليوم، انقلبت المعادلة.

لائحة «عائلات بيروت المستقلة»، المدعومة من النائب فؤاد مخزومي، حصدت 11 مقعدًا من أصل 18، بينما اكتفت لائحة المستقبل وحلفائه بـ7 مقاعد. وبذلك انتقل ميزان القوى داخل الاتحاد من 14-4 لمصلحة المستقبل قبل ثلاث سنوات إلى 11-7 لمصلحة اللائحة المنافسة اليوم.

قد تبدو المسألة، للوهلة الأولى، مجرد انتخابات أهلية داخل مؤسسة بيروتية. لكنها تصبح أكثر دلالة عندما نضعها أمام سؤال أكبر:

ماذا حدث لبيروت خلال السنوات التي غاب فيها سعد الحريري عن المشهد السياسي؟

هنا تبدأ القصة الحقيقية.

بيروت التي تركها الحريري ليست بيروت التي سيعود إليها

لسنوات طويلة، كانت بيروت واحدة من أهم القواعد السياسية للحريرية. لم يكن نفوذ تيار المستقبل مقتصرًا على صناديق الاقتراع النيابية، بل امتد إلى البلدية، والاتحادات العائلية، والشبكات الاجتماعية والسياسية التي تشكل جزءًا أساسيًا من الحياة البيروتية.

في انتخابات بلدية بيروت عام 2016، فازت «لائحة البيارتة» المدعومة من تحالف سياسي واسع، وفي مقدمه تيار المستقبل، بكامل مقاعد المجلس البلدي الـ24.

وفي انتخابات اتحاد العائلات البيروتية عام 2023، جاء الرقم أكثر وضوحًا: 14 مقعدًا من أصل 18.

كان من الممكن آنذاك أن يقال إن الحريرية السياسية، رغم تراجعها على المستوى الوطني، لا تزال تمتلك مفاتيح أساسية داخل العاصمة.

لكن شيئًا تغيّر بعد ذلك.

في عام 2022، انسحب سعد الحريري من الحياة السياسية، وطلب من تيار المستقبل عدم خوض الانتخابات النيابية. وكان لذلك أثر مباشر في المشهد السني، إذ أدى غياب القوة السياسية الأكثر تنظيمًا داخل هذه البيئة إلى تفكك التمثيل ودخول شخصيات وقوى متعددة إلى المساحة التي تركها المستقبل.

ومن بين المستفيدين من هذا الفراغ كان فؤاد مخزومي.

مخزومي لم يظهر فجأة

قد يكون من السهل اختصار ما يجري اليوم بالقول إن فؤاد مخزومي «حل مكان سعد الحريري».

لكن هذا الاستنتاج سيكون متسرعًا.

مخزومي بدأ بناء حضوره السياسي في بيروت قبل غياب الحريري. ففي انتخابات 2018، نجح في الوصول إلى البرلمان عن دائرة بيروت الثانية، في وقت كان فيه تيار المستقبل لا يزال القوة الأبرز بين الناخبين السنة في الدائرة. وتشير نتائج تلك الانتخابات إلى أن سعد الحريري جاء أولًا بين المرشحين السنة، بينما حل مخزومي في موقع متقدم مكّنه من الفوز بمقعد نيابي.

بمعنى آخر، كان هناك منافس يتشكل داخل بيروت قبل أن يغادر الحريري.

ثم جاء عام 2022.

غاب المستقبل، لكن مخزومي بقي في البرلمان.

ومن هنا بدأت المعادلة الجديدة تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا: لم يعد المشهد البيروتي السني محصورًا بين زعيم واحد وتيار واحد، بل أصبح موزعًا بين شخصيات وأحزاب ومجموعات مدنية وعائلية متعددة.

وهذا هو التغيير الذي يجب الانتباه إليه.

الحريرية لم تفقد نفوذها فقط؛ البيئة التي كانت تجعل هذا النفوذ شبه احتكاري تغيّرت أيضًا.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
لبنان بين نزع السلاح والتصعيد.. هل اقتربت ساعة الحسم؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

البلدية كشفت التغيير.. لكن لا يمكن تسميته خسارة للمستقبل

في انتخابات بلدية بيروت عام 2025، لم يخض تيار المستقبل الانتخابات رسميًا، ولذلك من الخطأ القول إن التيار «خسر البلدية».

لكن غياب المستقبل نفسه كان جزءًا من القصة.

اللائحة التي فازت بالمجلس البلدي الجديد حصلت على 23 مقعدًا من أصل 24، بينما نجح محمود الجمل، وهو شخصية مرتبطة سابقًا بتيار المستقبل، في تحقيق الخرق الوحيد خارج اللائحة الفائزة.

أما فؤاد مخزومي، فكان أحد أبرز اللاعبين في التركيبة السياسية التي أنتجت المجلس البلدي الجديد.

وهكذا لم تعد بيروت تُدار انتخابيًا بالطريقة التي كانت عليها في مرحلة هيمنة المستقبل.

هذه نقطة مهمة.

لأن غياب تيار المستقبل عن الانتخابات لا يعني أن قاعدته الشعبية اختفت، لكنه يعني أن التيار ترك مساحة سياسية شاغرة، وهذه المساحة لم تبقَ فارغة.

دخل إليها آخرون.

ومع الوقت، بدأ هؤلاء الآخرون ببناء شبكاتهم الخاصة.

ثم جاء الرقم الذي يصعب تجاهله

انتخابات اتحاد العائلات البيروتية اليوم هي التي أعطت هذا التحول رقمًا واضحًا.

14 إلى 7.

في 2023 كانت الغالبية الساحقة للمستقبل وحلفائه.

في 2026 لم يعد المستقبل يملك الأغلبية.

وفي المقابل، أصبحت لائحة «عائلات بيروت المستقلة» صاحبة الأغلبية بـ11 مقعدًا، وسط مشاركة مرتفعة بلغت نحو 87 في المئة وفق تقارير لبنانية.

لكن علينا هنا أن نكون أكثر ذكاءً من اختزال النتيجة.

هذه ليست انتخابات نيابية.

ولا يمكن القول إن 11 مقعدًا تعني أن 11 من كل 18 بيروتيًا أصبحوا مع مخزومي، أو أن 7 فقط ما زالوا مع الحريري.

الهيئة الناخبة محدودة، والعوامل العائلية والشخصية والتحالفات المحلية تلعب دورًا كبيرًا.

بل إن بعض التغطيات سبقت الانتخابات بالتشديد على أن المعركة تجري داخل إطار عائلي وأهلي، وأن اختزالها بالكامل بالصراع السياسي بين مخزومي والمستقبل قد يكون مضللًا.

لكن في المقابل، سيكون من الخطأ أيضًا تجاهل الرقم.

لأن النتيجة لا تأتي في فراغ.

إنها تأتي بعد سنوات من غياب المستقبل عن الانتخابات، وبعد صعود شخصيات جديدة، وبعد إعادة تشكيل المشهد البلدي، وبعد سنوات من إعادة توزيع النفوذ داخل البيئة البيروتية.

لذلك لا تقول انتخابات اليوم إن «الحريرية انتهت».

لكنها تقول شيئًا آخر أكثر دقة:

الاحتكار الذي تمتعت به الحريرية السياسية داخل بيروت لم يعد موجودًا كما كان.

والسؤال الآن ليس ماذا حدث للمستقبل.. بل ماذا سيفعل الحريري؟

هنا تصبح انتخابات اليوم أكثر أهمية.

في فبراير 2026، وبعد أربع سنوات من الابتعاد عن العمل السياسي، ألمح سعد الحريري إلى عودة تيار المستقبل إلى الانتخابات المقبلة.

وفي كلمة أمام أنصاره في بيروت، قال إن أصواتهم ستُسمع وإن أصواتهم ستُحتسب عندما تجري الانتخابات، في إشارة واضحة إلى عودة التيار إلى المشاركة السياسية بعد مقاطعة انتخابات 2022.

وهذه العودة، إذا حدثت فعليًا، لن تجري في بيروت التي تركها الحريري عام 2022.

هذه هي المفارقة الكبرى.

الحريري يعود إلى السياسة، لكن بيروت لم تنتظره في المكان نفسه.

خلال غيابه، تعزز حضور مخزومي، وظهرت شخصيات جديدة، وتبدلت التحالفات، وخاضت العائلات معاركها بعيدًا عن الهيمنة السابقة لتيار المستقبل.

وحتى داخل المؤسسة التي استطاع المستقبل السيطرة عليها بـ14 مقعدًا قبل ثلاث سنوات، أصبحت الأغلبية اليوم في يد لائحة أخرى.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
حزب الله تحت الضغط المالي.. هل يتراجع نفوذ إيران في لبنان؟
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

هل يعني ذلك أن مخزومي أصبح بديل الحريري؟

ليس بعد.

وهنا يجب التفريق بين «الصعود» و«الاستبدال».

فؤاد مخزومي أصبح لاعبًا أساسيًا في المعادلة البيروتية، وهذا واضح من مساره الانتخابي والسياسي، لكن بيروت ليست كتلة انتخابية واحدة، والبيئة السنية فيها ليست حكرًا على شخصية واحدة.

كما أن سعد الحريري لا يعود إلى المشهد كشخصية جديدة.

إنه يعود ومعه إرث والده رفيق الحريري، وشبكة سياسية واجتماعية واسعة، وذاكرة انتخابية لا تزال حاضرة، وقاعدة شعبية أثبتت السنوات الماضية أنها لم تختفِ بالكامل.

رويترز أشارت في فبراير إلى أن شعبية الحريري بين المسلمين السنة لا تزال قوية، رغم ابتعاده عن السياسة منذ 2022.

وهذا يعني أن معركة العودة ستكون مختلفة عن معركة البقاء.

الحريري لن يحتاج فقط إلى استعادة مؤيديه.

سيحتاج إلى استعادة المساحة السياسية التي نشأت في غيابه.

وهذا أصعب.

بيروت أمام مرحلة تنافس لا مرحلة زعامة واحدة

ربما يكون هذا هو التحول الأهم.

في الماضي، كان السؤال في بيروت غالبًا: ما حجم تيار المستقبل؟

أما اليوم، فالسؤال أصبح: كيف تتوزع القوة بين المستقبل ومخزومي وبقية القوى والشخصيات والعائلات؟

وهذا فرق جوهري.

فالسياسة لا تتغير فقط عندما يخسر حزب الانتخابات.

أحيانًا تتغير عندما تظهر أمامه قوى جديدة تستطيع البقاء، وبناء شبكات، ودخول مؤسسات المجتمع المحلي، وانتزاع مواقع كانت محسوبة تلقائيًا على الزعيم التقليدي.

وهذا ما يجعل رقم 14 إلى 7 مهمًا.

ليس لأنه يثبت سقوط الحريرية.

بل لأنه يثبت أن بيروت أصبحت أكثر تعددية سياسيًا مما كانت عليه عندما كان سعد الحريري في قلب المشهد.

الاختبار الحقيقي سيكون في الانتخابات النيابية

وهنا يجب ألا نستبق الأحداث.

انتخابات اتحاد العائلات ليست استطلاعًا للرأي، والانتخابات البلدية ليست نسخة مصغرة من الانتخابات النيابية.

الاختبار الحقيقي سيأتي عندما توضع صناديق الاقتراع النيابية أمام الناخب البيروتي.

هناك فقط سنعرف:

هل يستطيع سعد الحريري استعادة الوزن الانتخابي الذي كان يملكه؟

هل يستطيع تيار المستقبل إعادة بناء ماكينة انتخابية فعالة بعد سنوات من الغياب؟

هل يحافظ فؤاد مخزومي على موقعه كأحد أبرز اللاعبين في بيروت؟

وهل تختار العائلات والناخبون بين «العودة إلى الحريرية» و«المشهد الجديد»، أم أن بيروت ستثبت أنها لم تعد تريد أصلًا زعيمًا واحدًا يحتكر تمثيلها؟

هذه الأسئلة أهم من نتيجة انتخابات اليوم نفسها.

لأن انتخابات اليوم قد لا تكون نهاية مرحلة.

لكنها بالتأكيد تقول إن مرحلة جديدة بدأت.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📌 اقرأ أيضاً:
اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل.. بنود تمهّد لمسار جديد
موضوعات وتحليلات مرتبطة من محور الحدث
━━━━━━━━━━━━━━━━━━

بيروت تغيّرت.. والسؤال هل تغيّر المستقبل أيضًا؟

من السهل النظر إلى نتيجة اليوم باعتبارها خسارة انتخابية للمستقبل.

لكن القراءة الأعمق تقول إن المسألة أكبر من ذلك.

التيار لم يخسر اليوم فقط.

هو يخوض منذ سنوات عملية إعادة تموضع بعد انسحاب قائده من الحياة السياسية.

وخلال هذه الفترة، لم تتوقف بيروت عن إنتاج قيادات وتحالفات وشبكات جديدة.

ولهذا فإن عودة سعد الحريري، إذا اكتملت، ستكون اختبارًا للطرفين في آن واحد.

ستختبر قدرة الحريري على استعادة نفوذ فقد جزءًا من مؤسساته.

وستختبر في المقابل مدى رسوخ القوى التي نشأت أو توسعت خلال غيابه.

وهنا يصبح الرقم أكثر من مجرد نتيجة:

14 إلى 7.

إنه رقم يختصر المسافة بين بيروت التي تركها سعد الحريري، وبيروت التي سيجدها عندما يعود.

وربما تكون الرسالة الأهم التي خرجت بها صناديق اتحاد العائلات البيروتية اليوم هي أن العودة إلى السياسة شيء، واستعادة الماضي شيء آخر.

سعد الحريري قد يعود إلى بيروت.. لكن بيروت نفسها لم تعد كما كانت.


وسام المصري
رئيس التحرير

اقرأ أيضا": حرب النفط تتسع.. إيران تخسر ورقة هرمز وروسيا تواجه اختناق المصافي

الرجاء الالتزام بأداب الحوار

أحدث أقدم

نموذج الاتصال